مقالات

غريزة البقاء … صرخة الرّوح في وجه العدم

غريزة البقاء … صرخة الرّوح في وجه العدم

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

غريزة البقاء عند الإنسان ليست مجرّد دافع بيولوجي بل هي النواة التي تنبثق منها كلّ فلسفة وكلّ حضارة وكلّ قانون وكلّ فنّ. هي الصرخة الأولى التي أطلقها الوجود حين نفخ الله الروح في الإنسان هي الحقّ المقدّس الذي لا يُنتزع لأنّها ليست ملكاً للإنسان وحده بل هي جزء من التكريم الإلهي الذي جعله خليفة في الأرض.

على المستوى الفلسفي هي أصل السؤال عن المعنى هي ما دفع أفلاطون إلى الحديث عن خلود النفس وما جعل نيتشه يعلن إرادة القوّة وما جعل سارتر يرى أنّ الإنسان محكوم بالحرّية.
إنّها ليست مجرّد رغبة في النجاة بل هي احتجاج على العبث وإصرار على أنّ الحياة ليست زمنًا يُستهلك بل رسالة تُكتب وملحمة تُعاش.

على المستوى الروحي هي أمانة إلهيّة هي العهد الذي ربط الله به الإنسان حين قال :
” ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ ” .
فهي ليست ملكاً للفرد وحده بل هي جزء من التكريم الإلهي ولذلك يصبح الحفاظ على الحياة عبادة والدفاع عنها جهادًا والاعتداء عليها خيانة للروح التي نفخها الله.

على المستوى القانوني والسياسي هي الأصل الذي تتفرّع منه كلّ الحقوق فهي الجذر الذي يغذّي الحرّية والعدالة والمساواة.
ومن دونها تنهار الشرائع وتذبل القيم لأنّ القانون بلا حياة يصبح نصًّا ميّتًا والدولة بلا حماية للحقّ في البقاء تتحوّل إلى آلة قمع لا إلى كيان إنساني.

على المستوى الاجتماعي هي الرابط الذي يجعل الفرد جزءاً من الجماعة ويجعل التضامن والعدالة والتعاون ليست مجرّد فضائل أخلاقيّة بل آليّات وجوديّة لحماية الحياة.
المجتمع هو شبكة أمان كونيّة تضمن أن البقاء لا يكون فرديّاً فقط بل جماعيّاً وأنّ حياة الفرد مرتبطة بحياة الآخرين في مصير واحد.

على المستوى العلمي والتقني هي الدافع الذي جعل الإنسان يكتشف النار ويبتكر الطبّ ويبني المدن ويغزو الفضاء.
كلّ إنجاز علمي هو في جوهره محاولة لتوسيع حدود البقاء لتأمين الإنسان ضدّ المرض والجوع والخطر ولمنحه حياة أطول وأكرم.

وعلى المستوى الأدبي والفنّي هي الصرخة التي تتحوّل إلى قصيدة إلى رواية إلى لوحة إلى موسيقى. الأدب والفنّ هما محاولة لتخليد الحياة في الكلمات والألوان والألحان لأنّ الإنسان لا يرضى أن يزول بلا أثر بل يسعى أن يترك بصمة تتحدّى الموت وتعلن أنّ الروح لا تُمحى.

إنّها إذن ليست مجرّد غريزة بل هي ملحمة وجوديّة شاملة هي الحقّ المقدّس الذي لا يُمسّ .
ومن هنا يصبح الدفاع عن هذا الحقّ واجباً وجوديّاً لأنّ من يُنكر على الإنسان حقّه في البقاء إنّما يُنكر على الله حكمته في الخلق ويصادر أقدس ما في الوجود : الحياة نفسها .

غريزة البقاء عند الإنسان هي صرخة ناريّة فلسفيّة إعلان أبدي بأنّ الإنسان خُلِق ليعيش لا ليُستعبد ليحيا بالكرامة والحرّية والمعنى لا ليُسلب أو يُمحى.
وأنّ الحياة ليست مجرّد زمن يُستهلك بل هي رسالة تُكتب وملحمة تُعاش وحقّ مقدّس لا يُمسّ. إنّها ليست مجرّد نجاة بل هي انتصار الروح على العدم وهي الدليل على أنّ الإنسان كائن لا يقبل الفناء إلّا وهو يقاومه بالمعنى بالكرامة وبالحرّية .

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى