بين ظلال الأمس ونور اليوم … ماذا يحدث في فرع الأمن الجّنائي بحلب ؟

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
التّغيّير الحقيقي لا يُقاس بالشعارات بل بالمعاملة و لا يُقاس بالكلام بل بالفعل .
وحين يروي أحد السّجناء السابقين تجربته داخل فرع الأمن الجّنائي بحلب فهو لا يكتب قصة عابرة بل يُسجّل شهادة على تحوّلٍ غير مألوف في مؤسّسة لطالما ارتبط اسمها بالخوف والرّهبة .
هنا تتبّدل الصّورة… ويظهر وجه آخر للأمن : وجهٌ أكثر إنسانيّة ، أكثر وعياً ، وأكثر إلتزاماً بالعدل .
فمن لحظة الطَرق… إلى لحظة الطّمأنينة
عند منتصف النّهار ، حين يُطرق بابك من رجال الأمن ، يتوقّع الإنسان الأسوأ .
لكن ما حدث كان نقيض ذلك تماماً :
_ وجوه هادئة
_ ابتسامات خفيفة
_ كلمات مهذبة
_ وطلب صريح :
“خذ وقتك … اغتسل، توضأ ، وارتدِ ما تشاء . “
لا قيود ، لا صراخ ، لا إهانة .
بل احترام لسنّ الرّجل ، وتقدير لإنسانيته ، وكأنّنا أمام جهاز أمني يُعيد تعريف نفسه من جديد .
داخل الفرع … حيث يتقدّم السّلوك قبل الجّدران
ما إنْ دخل إلى الفرع حتى وجد ورشة بناء ، لا في الحجر فقط ، بل في الفكر أيضاً .
ضباط بملابس أنيقة ، كلمات موزونة ، وتعليمات واضحة من مسؤول رفيع :
“دقّقوا في حقوق النّاس … اضبطوا أقواله بدقة … واتقوا الله . “
هذه ليست مجرّد توصية ، بل إعلان عن منهج جديد .
ثمّ يبدأ التّحقيق … وهنا تتجلّى المفاجأة الأكبر .
ذكاء المحقّقين … علمٌ يُمارس لا يُقال
التّحقيق لم يكن استجواباً تقليديّاً ، بل عمليّة بحث علميّة دقيقة :
_ أسئلة تُطرح بترتيب محسوب
_ محقّقون يتناوبون بذكاء ، كل منهم يلتقط خيطاً تركه الآخر
_ ملاحظات تُسجّل بدقة على الورق
_ إعادة للأسئلة بصيغ مختلفة لاختبار الاتساق
_ تحليل نفسي هادئ ، بلا ضغط ولا تهديد
_ تركيز على الأدلة ، لا على انتزاع الاعترافات
كان المشهد أقرب إلى مختبر بحث جنائي في دولة متقدّمة ، لا إلى غرفة تحقيق في بلد أنهكته الحروب .
هؤلاء المحقّقون لم يعتمدوا على القوة بل على العقل .
لم يستندوا إلى الظّن بل إلى المنهج .
ولم يبحثوا عن إدانة بل عن الحقيقة .
في الزنزانة… إنسانيّة لا تُشبه الماضي
في اليوم التّالي ، مشهد آخر يبدّد كل الصور القديمة :
فريق طبّي كامل يسعف سجيناً مريضاً بحرفيّة واهتمام يفوق ما يُرى في كثير من المستشفيات .
_ قسم طبّي يعمل 24 ساعة
_ جلسات رذاذ مجانيّة
_ متابعة دقيقة للحالات
_ تعامل إنساني يسبق أي إجراء
هنا لم يكن السّجين رقماً… بل إنساناً له حق في العلاج والرّحمة.
بين الظّلم والعدل … خطوة شجاعة نحو المستقبل
هذه التّجربة لا تبرئ مؤسّسة كاملة ، ولا تنفي وجود أخطاء ، لكنها تكشف أنّ التّغيّير ممكن حين تتوفّر الإرادة .
فالأمن الحقيقي ليس قوة تُخيف ، بل مؤسّسة تحمي .
والعدالة ليست سيفاً بل ميزاناً .
وحين يجتمع العلم ، والوعي ، والإنسانيّة ، والخوف من الله… يصبح الأمن ركيزة استقرار ، لا مصدر خوف .
رسالة إلى كلّ مؤسّسة … وكل مسؤول
إنْ كان هذا التّحوّل واقعاً ، فهو بداية عهد جديد يجب أن يُعمّم .
وإنْ كان اجتهاداً من أفراد ، فهو دليل على أنّ الإصلاح يبدأ من الإنسان قبل النّظام .
وفي كل الأحوال ما حدث في فرع الأمن الجّنائي بحلب يستحق أن يُكتب ، ويُناقش ، ويُشاد به…
لأنّ العدالة حين تُمارس ، تُنقذ وطناً بأكمله .
ختاماً… كلمة شكر
إلى كل من اختار العدل حين كان الظّلم أسهل إلى كل من حافظ على كرامة إنسان ضعيف إلى كل من آمن أن الأمن يبدأ من احترام البشر…
شكراً لكم .
وما بين ظلال الأمس ونور اليوم …
يبقى الأمل أن يصبح هذا النّموذج قاعدة ، لا استثناء .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




