
قال لها: عيشي بشرف وكرامة… فردّت هي وعائلتها بعشرات التهم»
3
3
3
3
3
قال لها: عيشي بشرف وكرامة… فردّت هي وعائلتها بعشرات التهم»
بقلم: محمد ضياء الدين بديوي
القصة حقيقية مية بلمية
والحكم لكم
فحين تتحوّل العائلة إلى محكمة سرّية ويصبح الشرف تهمة
في زمنٍ باتت فيه الأكاذيب أسرع انتشاراً من الحقائق وأصبحت حملات التشهير أشد فتكاً من كثير من الجرائم نفسها قد يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى دفع ثمن شرفه كاملاً. هكذا بدأت هذه الحكاية. صحفي وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما. أن ينخرط في منظومة فساد عابرة للحدود أو أن يتمسك بضميره مهما كانت الكلفةفاختار الطريق الأصعب ودفع ثمنه من سمعته واستقراره وسنوات من عمره.
لم تكن القضية خلافاً عائلياً عابراً ولا نزاعاً زوجياً انتهى أمام أبواب القضاء. كانت مواجهةبين رجل قرر أن يقول لا وشبكة اعتادت ألا تسمع سوى نعم.
كل ما طلبه من زوجته كان أن تعيش بكرامة وأن تبتعد عن طريق كان يراه غارقاً في الفساد لكن تلك الكلمات كانت كافية لتحويل حياته إلى ساحة حرب مفتوحة.
وفجأة انهالت عليه الاتهامات من كل اتجاه.
اغتصاب.
خطف.
قتل.
إخفاء جثث.
وتهم سياسية بالارتباط بجهات معادية.
وسلسلة طويلة من الادعاءات التي لم يكن يجمع بينها منطق قانوني بقدر ما كان يجمعها هدف واحد هو تدميرالرجل أخلاقياً واجتماعياً وإنهاء صدقيته أمام الناس.
لكن كان المطلوب صناعة مجرم لا إثبات جريمة.
وكان المطلوب الانتقام ممن رفض المشاركة لا الوصول إلى الحقيقة.
لماذا اختيرت هذه التهم تحديداً
لأن أصحاب التلفيق لا يختارون أسلحتهم عشوائياً.
لقد اختاروا أشد التهم فتكاً بالسمعة لأنهم يعرفون أن التهمة في الرأي العام لا تحتاج دائماً إلى إثبات بقدر ما تحتاج إلى انتشار. ويعرفون أن مجرد ربط اسم إنسان بتهم كالاغتصاب أو القتل أو إخفاء الجثث كفيل بزرع الشك في النفوس حتى لو أثبت القضاء لاحقاً براءته الكاملة.
فالاغتصاب يستهدف الشرف الاجتماعي للإنسان.
والقتل يستهدف صورته الإنسانية والأخلاقية.
أما تهم الارتباط بجهات معادية أو التعامل مع أطراف خارجية او كتابة التقارير فهي أخطر أنواع الاتهامات السياسية وأكثرها قدرة على التدمير لأنها لا تطعن في أخلاق الإنسان أو سلوكه فحسب بل تضرب في صميم انتمائه الوطني وولائه لوطنه.
فالاتهام الأخلاقي يحاول إسقاط الإنسان اجتماعياً.
أما الاتهام السياسي فيسعى إلى عزله وطنياً.
الأول يشوّه سمعته بين الناس أما الثاني فيحاول تحويله من شخص مختلف أو خصم في نزاع إلى شخص يُنظر إليه باعتباره خطراً على الوطن نفسه.
وهنا يكمن أخطر أشكال التلفيق.
فالغاية لم تعد تشويه فرد أو النيل من سمعته بل إعادة تعريفه أمام المجتمع كله بوصفه تهديداً للمصلحة الوطنية. وعندما يُدفع الرأي العام إلى النظر إلى إنسان بهذه الصورة يصبح الاتهام في حد ذاته عقوبة حتى قبل أن تبدأ المحاكمة وحتى قبل أن يُقدَّم دليل واحد.
ولهذا كانت التهم السياسية في كثير من الأحيان أشد فتكاً من التهم الأخلاقية نفسها لأنها تستهدف الرابط الأكثر حساسية بين الإنسان ووطنه وهو الثقة والانتماء والولاء الوطني.
ولهذا تلجأ شبكات التشهير إلى الجمع بين التهم الأخلاقية الكبرى والتهم السياسية الثقيلة في ملف واحد. فالأولى تستهدف الشرف والثانية تستهدف الانتماء وإذا اجتمعتا أصبح المستهدف محاصراً أخلاقياً ووطنياً في آنٍ معاً قبل أن يجلس على مقعد الدفاع.
إنها اتهامات صُممت بعناية لتعمل خارج المحكمة أكثر مما تعمل داخلها.
فالمفتري يعلم أن البراءة تحتاج إلى وقت بينما تنتشر الشائعة في دقائق وأن الإنسان قد يربح قضية كاملة لكنه يحتاج سنوات طويلة كي يمحو آثار أكذوبة واحدة.
ولهذا لم تكن تلك الاتهامات مجرد ادعاءات قانونية بل مشروع اغتيال معنوي متكامل استُخدمت فيه أبشع الجرائم الأخلاقية وأخطر الاتهامات السياسية معاً لأن الهدف لم يكن كسب دعوى قضائية بل تحطيم إنسان أمام المجتمع قبل أن يصدر أي حكم بحقه.
انها مافيا القرابةيا سادة
فحين يجتمع الأب والأم والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأصهار والأقارب خلف رواية واحدة تستهدف شخصاً بعينه لأنه رفض الانصياع فإننا لا نكون أمام عائلة بالمعنى الطبيعي للكلمة.
نكون أمام ما يمكن وصفه بمافيا القرابة.
المصلحة العامة والمنفعه لعائلة لم تكن تملك قوت يوميها الى عائلة تبتز البشر
عقلية ترى أن رابطة الدم تعلو على الحقيقة.
وأن الولاء للجماعة أهم من الولاء للقانون.
وأن من يرفض المشاركة يصبح عدواً يجب إسقاطه.
ففي مثل هذه البيئات لا يعود الصادق موضع احترام ولا يصبح كاشف الفساد موضع تقدير بل يتحول إلى خطر يجب التخلص منه.
وهنا يصبح الشرف تهمة.
وتصبح النزاهة خروجاً على الجماعة.
ويصبح الضمير جريمة لا تُغتفر.
و عندما يتحول التلفيق إلى خطر عام
قد يظن البعض أن ما جرى يخص شخصاً واحداً فقط لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
فعندما تتحول تهم الاغتصاب إلى أدوات للانتقام فإن الضحايا الحقيقيين لهذه الجرائم يتعرضون للأذى مجدداً لأن هيبة هذه التهم وخطورتها الأخلاقية تبدأ بالتآكل.
وعندما تُستخدم تهم القتل وإخفاء الجثث في تصفية الحسابات تتعرض العدالة نفسها للتشويه.
وعندما تتحول التهم السياسية إلى وسيلة لإسكات الخصوم أو تصفية أصحاب المواقف المختلفة يصبح الاتهام بديلاً عن البرهان وتصبح الشبهة بديلاً عن الحقيقة.
أما الأخطر من ذلك كله فهو ما يرتبط بجرائم تزوير الوثائق والتلاعب بالهويات والسجلات المدنية.
فالتزوير ليس مجرد تعديل لورقة رسمية.
إنه إعادة تصنيع للحقائق.
وتلاعب بحقوق الناس.
واعتداء على الثقة التي تقوم عليها الدول والمجتمعات.
إن المجتمع الذي تُباع فيه الهويات وتُفبرك فيه السجلات هو مجتمع تُسرق فيه الحقيقة من جذورها.
القضاء قال كلمته لكنهم بحثوا عن باب آخر
رغم سيل الاتهامات وضجيج الروايات المتناقضة وصلت القضية إلى القضاء بعد انتصار الثورة.
خضعت الادعاءات للفحص.
ودُققت الوقائع.
ووُضعت الروايات أمام معيار الإثبات لا أمام الانطباعات أو الشائعات.
وكانت النتيجة واضحة وحاسمة.
سقوط الدعاوى الواحدة تلو الأخرى.
وصدور قرارات البراءة تباعاً بحق الرجل.
والأهم من ذلك أن هذه البراءات لم تصدر عن مؤسسات قضائية سابقة أو عن جهات تعود إلى مرحلة انتهت بل صدرت عن المحكمة التي تأسست في عهد الثورة نفسها أي عن الجهة القضائية التي جاءت في ظل الواقع الجديد ونظرت في الملفات والاتهامات نظراً مباشراً ومستقلاً.
بمعنى آخر لم تكن البراءة إرثاً قانونياً من مرحلة سابقة بل كانت نتيجة قناعة قضائية جديدة تشكلت بعد دراسة الوقائع والأدلة المعروضة أمام المحكمة.
وكان يفترض منطقياً وقانونياً أن يشكل ذلك نهاية لهذا الملف.
لكن الذين بنوا مشروعهم على الاتهام لم يستطيعوا التعايش مع نتائج القضاء.
فبعد ذلك أُنشئت محكمة محدثة ضمن البنية القضائية الجديدة فاتخذوا إليها سبيلاً وحملوا إليها الملف نفسه والاتهامات نفسها والروايات نفسها التي كانت قد سقطت سابقاً أمام القضاء.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
بل جرى تقديم القضية للمحكمة المحدثة بمعزل عن الصورة الكاملة للنزاع في حين أن الواقع كان يشير إلى وجود عشرات الدعاوى والادعاءات التي دارت بين الأطراف أنفسهم عبر سنوات وانتهى معظمها تباعاً بقرارات براءة لصالح الشخص المستهدف.
وهكذا لم يعد الأمر مجرد خصومة قضائية عادية بل محاولة متكررة لإعادة تدوير الاتهامات كلما أغلقت العدالة باباً منها.
وكأن المطلوب لم يكن الوصول إلى الحقيقة بل البحث الدائم عن نافذة جديدة يمكن من خلالها إحياء رواية أسقطتها الوقائع وأبطلتها الأحكام.
هنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد خلاف قانوني.
فالعدالة وُجدت للفصل في النزاعات لا لإعادة تدويرها.
والمحاكم وُجدت للبحث عن الحقيقة لا لتكون محطات عبور متكررة تعاد عبرها الاتهامات ذاتها أملاً بالحصول على نتيجة مختلفة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل من يؤمن بسيادة القانون.
كم مرة يجب أن يثبت البريء براءته؟
وكم حكماً يحتاج الإنسان كي يتخلص من تهمة أثبت القضاء مراراً أنها بلا سند؟
وهل تصبح البراءة بلا قيمة إذا كان بالإمكان إعادة الاتهام كلما تبدلت الجهة التي تنظر فيه؟
كيف نواجه هذه الظاهرة
أولاً تجريم البلاغات الكيدية والتلفيق القضائي بحيث تصبح محاولة توريط الأبرياء جريمة قائمة بذاتها تستوجب عقوبات رادعة.
ثانياً حماية الصحفيين وكاشفي الفساد لأن المجتمعات التي تعاقب من يكشف الفساد تشجع الفاسدين على الاستمرار.
ثالثاً تعزيز الرقابة على السجلات والوثائق الرسمية لإغلاق منافذ التزوير والتلاعب بالهويات والبيانات المدنية.
رابعاً تسريع الفصل في قضايا الافتراء والتشهير لأن العدالة المتأخرة تمنح المفتري جزءاً كبيراً مما يسعى إليه.
خامساً تكريس مبدأ أن العائلة ليست فوق القانون فصلة الرحم فضيلة لكنها لا تمنح حصانة لأحد.
سادساً تفكيك شبكات التزوير المنظمة باعتبارها تهديداً للسلم الأهلي والأمن القانوني والمجتمعي.
هذه ليست قصة صحفي فقط.
وليست قصة عائلة فقط.
إنها قصة مجتمع بأكمله عندما يُترك الكذب بلا حساب وعندما تتحول القرابة إلى حصن يحتمي خلفه المزورون والمفترون وحين يُستخدم القضاء ساحةً لاستكمال ما عجزت عنه حملات التشهير.
إن أخطر ما في هذه الحكاية ليس عدد التهم التي وُجهت ولا عدد السنوات التي استغرقتها المعركة بل الفكرة المرعبة الكامنة خلفها وهي أن هناك من يؤمن بأن الإنسان يمكن اغتياله معنوياً إذا تعذر اغتياله قانونياً.
اليوم قد يكون المستهدف صحفياً.
وغداً قد يكون قاضياً.
أو طبيباً.
أو أستاذاً جامعياً.
أو أي مواطن عادي قرر أن يقول كلمة حق في وجه منظومة لا تريد للحقيقة أن تُقال.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست قضية شخص واحد بل قضية حق المجتمع في أن تبقى الحقيقة أقوى من الشائعة وأن يبقى القانون أقوى من العصبية وأن تظل العدالة أعلى من رغبات المنتقمين.
فالظلم لا ينتصر يوم تُلفَّق التهمة.
بل ينتصر يوم يصدقها الناس بلا دليل.
وينتصر يوم يصمت الشرفاء خوفاً من الضجيج.
وينتصر يوم يصبح الافتراء حقيقة متداولة وتصبح الشائعة دليلاً ويصبح الدفاع عن النفس تهمة جديدة تُضاف إلى سجل الضحية.
وحين يبلغ المجتمع هذه المرحلة لا يعود الخطر على فرد واحد بل على فكرة العدالة نفسها.
أما الحقيقة فقد تُحاصَر سنوات طويلة وقد تُثقَل بالأكاذيب والملفات والشهادات الزائفة لكنها لا تموت.
لأن الكذب يحتاج في كل يوم إلى كذبة جديدة تحرسه.
أما الحقيقة فيكفيها أن تصمد.
وحين تأتي لحظة انكشافها لا تسقط الكذبة وحدها بل يسقط معها كل من صنعها وكل من روّج لها وكل من استثمر فيها وكل من صمت عنها وهو يعلم أنها كذبة.
وعندها فقط يدرك الجميع أن أخطر المجرمين ليسوا أولئك الذين يقتلون الأجساد بل أولئك الذين يحاولون قتل الحقيقة لأن الجسد يُدفن مرة واحدة أما الحقيقة فإذا سقطت دُفن معها وطن بأكمله.
ستتظر ونتابع
وللقصة بقية




