آخر الأخبار
سلطة رابعة أم راكعة.؟ كيف تحوّل الصحفي من حاملٍ للقلم إلى رهينةٍ لابتزاز الخصوم والمجرمين! – عكس الاتجاه

سلطة رابعة أم راكعة.؟ كيف تحوّل الصحفي من حاملٍ للقلم إلى رهينةٍ لابتزاز الخصوم والمجرمين!

اليوم

4
الأسبوع

4
الشهر

4
السنة

4
الإجمالي

4

 

بقلم: محمد ضياء الدين بديوي

في زمن تتعاظم فيه قيمة الكلمة الحرة وتزداد فيه الحاجة إلى الصحافة المهنية المسؤولة لم يعد الخطر الذي يواجه الصحفي الشريف مقتصراً على الضغوط التقليدية أو محاولات إسكات الرأي المختلف بل بات يأتي أحياناً من دوائر أكثر قرباً وإيلاماً؛ من أشخاص جمعتهم بهم روابط قرابة أو معرفة أو شراكة حياة قبل أن تتحول تلك الروابط إلى أدوات للانتقام وتصفية الحسابات.

والحقيقة التي لا تحتمل التأويل أن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق المفترين أنفسهم أولئك الذين يختارون الكذب طريقاً والافتراء سلاحاً والتشهير وسيلة للنيل من خصومهم. فالمشكلة لا تبدأ من القانون ولا من القضاء بل تبدأ من نفوس ضعيفة لم تجد سبيلاً لتحقيق غاياتها إلا عبر تلفيق الوقائع واختراع الاتهامات وتشويه السمعة.

لقد بات بعض الصحفيين عرضة لحملات ممنهجة من الكيد والانتقام الشخصي تتخذ أشكالاً مختلفة تبدأ بالوشايات والادعاءات الكاذبة ولا تتردد في الوصول إلى أخطر التهم الجنائية وأكثرها فداحة. وحين تتهاوى هذه المزاعم أمام القضاء العادل ويثبت بطلانها وتنكشف حقيقتها لا يتوقف أصحابها عند حدود الخيبة بل ينتقلون إلى مراحل أكثر خطورة في محاولة للإضرار بضحاياهم.

المفارقة أن القضاء النزيه أثبت في كثير من الحالات قدرته على إنصاف المظلومين وإعادة الاعتبار لهم وهو ما يؤكد أن العدالة قادرة على كشف الحقيقة متى توفرت الأدلة والنزاهة.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أولئك الذين يرفضون الرضوخ للحقيقة عندما لا تتوافق مع مصالحهم وأهوائهم فيستمرون في البحث عن وسائل أخرى للكيد والابتزاز.

وهنا يظهر الوجه الأخطر للظاهرة حين يحاول البعض استغلال القضايا الوطنية الكبرى وتحويلها إلى أدوات لخدمة مصالح شخصية ضيقة. فعندما يفشل الافتراء الجنائي يتم اللجوء إلى ورقة شديدة الحساسية تتمثل في اتهامات تمس “أمن الوطن” أو “الأمن القومي” ليس انطلاقاً من وقائع حقيقية بل رغبة في إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بالخصم.

إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن في استهداف الصحفي وحده بل في استهداف مفهوم العدالة ذاته. فالتلاعب بملفات الأمن الوطني واستخدامها لتحقيق مكاسب شخصية أو تصفية حسابات فردية يشكل اعتداءً على هيبة الدولة قبل أن يكون اعتداءً على الأفراد. فالقضايا المرتبطة بأمن الوطن وكرامة مؤسساته وحقوق مواطنيه ليست أدوات للانتقام وليست أوراق ضغط تُستخدم في النزاعات الشخصية.

ومن هنا فإن الواجب الأول يجب أن ينصب على ملاحقة المفترين وردعهم بكل حزم. فلا يكفي إسقاط الادعاءات الكاذبة بل لا بد من محاسبة من يقف وراءها لأن الإفلات من العقاب يشجع على تكرارها ويمنح العابثين ثقة أكبر في الاستمرار بممارساتهم.

إن الضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه في تقديم بلاغات كاذبة أو اختلاق التهم أو استغلال قضايا أمن الوطن لتحقيق مصالح خاصة ليس مطلباً شخصياً لأحد بل ضرورة وطنية لحماية العدالة وصون الحقوق ومنع تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتصفية الحسابات.

كما تقع على عاتق النقابات والمنظمات الصحفية مسؤولية كبيرة في توفير الدعم القانوني والمعنوي للصحفيين الذين يتعرضون لحملات التشويه والابتزاز والعمل على كشف هذه الممارسات للرأي العام وعدم ترك الصحفي وحيداً في مواجهة حملات منظمة تستهدف سمعته ومستقبله المهني.

إن استهداف الصحفي بالافتراء والتشهير والتهم الملفقة لا يمس شخصه فحسب بل يمس حق المجتمع في المعرفة ويستهدف حرية التعبير في جوهرها. فالصحافة الحرة لا تُقمع فقط بالسجن أو المنع بل تُستهدف أيضاً عبر محاولات الإنهاك النفسي والتشويه المعنوي والإغراق في دوامة من الاتهامات الكاذبة.

اليوم تقف العدالة في مواجهة اختبار حقيقي: إما أن تنتصر للحقيقة وتردع المفترين وإما أن تترك المجال مفتوحاً أمام من يحاولون استخدام القانون ستاراً للكيد الشخصي. ولذلك فإن المعركة ليست بين صحفي ومُفتَرٍ عليه بل بين الحقيقة والزيف وبين دولة القانون وشريعة الأهواء.

فالصحفي الذي يرفض أن يكون أداة في يد أحد ويتمسك باستقلاليته وكرامته المهنية يستحق أن يجد حماية القانون وتضامن زملائه ودعم الرأي العام

أما الذين يتخذون من الافتراء وسيلة ومن تهم أمن الوطن جسراً لتحقيق مصالحهم الخاصة فلا بد أن يواجهوا المساءلة والمحاسبة الرادعة.

فلا كرامة للعدالة إذا تُرك المفترون دون عقاب ولا هيبة للوطن إذا تحولت قضاياه المصيرية إلى أدوات للابتزاز الشخصي. ومن هنا فإن حماية الصحفي تبدأ أولاً بردع الكاذبين وتجريم الافتراء ومحاسبة كل من يحاول العبث بأمن الوطن لتحقيق مآربه الخاصة فحين يُحاسَب المفترون تُصان الحقيقة وحين تُصان الحقيقة ينتصر الوطن.

المرصد الدولي لحرية الصحافة – 4
المرصد الدولي لحرية الصحافة -3
المرصد الدولي لحرية الصحافة 2
dotcom4host
صفحة 1 من 2
تواصل معنا
تواصل معنا