
حين يصبح الدفاع عن فتاة حكمًا بالموت: حلب تدفن بطلها وتسأل: من يحمينا؟»
0
4
4
4
4
من يقتل من يدافع عن عرضكم؟ «الأمن الداخلي» يكشف ملابسات جريمة حلب.. ونور لبابيدي آخر الضحايا
بقلم: محمد ضياء الدين بديوي
ثمة موتٌ لا يُقاس بعدد الطعنات بل بحجم السؤال الذي يتركه خلفه. وثمّة رجال يرحلون بأجسادهم لكنهم يبقون شاهدين على زمنٍ اختلطت فيه البطولة بالمخاطرة والنخوة بالخوف والدفاع عن المظلوم باحتمال العودة جثةً إلى الأهل.
هذا ما حدث مع الشاب نور لبابيدي.
لم يكن يبحث عن بطولة ولم يخرج من منزله وهو يحلم بأن يتحول إلى قضية رأي عام. كان شابًا عاديًا يسير في طريقه قبل أن يسمع استغاثة فتاة تتعرض للتحرش في منطقة السليمانية بمدينة حلب مساء الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر. في تلك اللحظة القصيرة التي تختبر معادن البشر اتخذ قراره دون حسابات طويلة ودون أن يسأل نفسه: ماذا سيحدث لي؟ اختار أن يقف إلى جانب الضحية.
لكن المعتدين لم يكونوا مجرد شبان طائشين. انهالت الطعنات وسقط نور مضرجاً بدمه بينما أصيب شخص آخر حاول منعهما من الفرار. رحل نور وبقيت الحكاية.
«الأمن الداخلي» يكشف الحقيقة.. والقبض على الجناة
في بيان رسمي صادر عن قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية نُشر عبر معرفاتها الرسمية كُشفت ملابسات الجريمة وأُعلن عن إلقاء القبض على المتهمين. وأوضح البيان أن الجريمة وقعت “إثر تدخل المغدور لحماية سيدة تعرضت لمضايقات في الشارع العام دفع المتهمين إلى طعنه والاعتداء بطعنة أخرى على أحد المارة أثناء محاولته منعهما من الفرار”.
وأكدت قوى الأمن الداخلي أنها تمكنت بعد متابعة تحركات المتهمين وتحديد مسارهما من إلقاء القبض عليهما وهما المدعوان (خ. م) و(ح. م) يوم السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر.
وأشار البيان إلى أن “الجهات المختصة تستكمل الإجراءات القانونية بحقهما تمهيداً لإحالتهما إلى القضاء المختص” مؤكداً أن عملية القبض تأتي “في إطار جهود وزارة الداخلية في ملاحقة مرتكبي الجرائم بجميع أنواعها بهدف ضبط الأمن في عموم البلاد”. هذا الإعلان الرسمي على أهميته لا يعيد نور إلى أمه لكنه يؤكد أن المؤسسة الأمنية تحركت وأن يد العدالة بدأت طريقها وإن كانت الأسئلة الأكبر ما زالت معلقة.
أثر الحادثة على الفرد: حين يصبح البطل وحيداً
نور لم يكن مجرد رقم. كان ابناً وشاباً وصديقاً. لكن الأثر الأعمق لهذه الجريمة ليس في فقدانه هو بل في الخوف الذي زرعته في قلوب كل من يفكر في مد يد العون. فحين يرى المواطن أن التدخل لإنقاذ امرأة قد يكلفه حياته وحين يرى أن القاتل قد يبقى طليقًا أو يحصل على حكم مخفف فإنه يتراجع.
يتراجع ليس جبناً بل خوفاً من أن يترك أطفاله يتامى وأن يترك والديه يبحثان عن قصاص لا يأتي.
أثر الحادثة على المجتمع: حين تموت النخوة بالخوف
المجتمع الذي لا يحمي أبطاله ولا يردع قتلته هو مجتمع يترك أفراده فريسة للخوف. ما فعله نور ليس دليلًا على أن الإنسانية ماتت بل العكس: هو دليل على أن النخوة ما زالت حيّة في بعض الناس. لكن المشكلة أن هذه النخوة تُركت وحدها بلا سياج من الحماية. وهكذا يتحول الشارع إلى مسرح مفتوح للجريمة حيث يعرف المعتدي أن الضحية وحدها هي التي ستقف في وجهه وأن المجتمع كله قد يكتفي بالمشاهدة والتوثيق.
الأمن العام: الأرقام الغائبة والرسالة الواضحة
لا تتوفر إحصائية رسمية معلنة من وزارة الداخلية حول العدد الدقيق لجرائم القتل في حلب لهذا الأسبوع لكن ما هو مؤكد أن حادثة نور ليست معزولة.
ففي بيانات سابقة أعلنت قوى الأمن الداخلي عن إلقاء القبض على مرتكبي جرائم قتل متفرقة في حلب خلال أقل من 24 ساعة في أيلول/سبتمبر الماضي. كما أعلنت الوزارة عن جهودها المستمرة في “ملاحقة مرتكبي الجرائم بجميع أنواعها بهدف ضبط الأمن في عموم البلاد”.
لكن الأمن العام لا يُقاس فقط بعدد الملقى القبض عليهم بل بشعور المواطن أنه يستطيع الوقوف إلى جانب الحق دون أن يدفع حياته ثمنًا لذلك.
ماذا نريد؟ دعوة عملية لا بكاءً فقط
لقد كان نور ضحية طعنة غادرة لكنه كان أيضاً ضحية واقع تُترك فيه الشجاعة أحيانًاً وحيدة في مواجهة الجريمة.
وأقل ما يستحقه بعد رحيله أن يتحول دمه إلى جرس إنذار يدفع الجميع إلى التحرك.
المطلوب ليس فقط القصاص من القتلة بل بناء سياج من الحماية حول كل من يمد يده لإنقاذ غيره. سياج يبدأ بـتطبيق قانوني رادع وسريع لا يستثني أحداً ولا يتأخر. وسياج يبدأ بـثقافة التدخل الجماعي الآمن: طلب النجدة فورًا وتوثيق الحادثة بالهاتف وعدم ترك الشجاعة الفردية تقف وحدها في مواجهة السلاح.
وسياج يبدأ بـحماية المبلغين والشهود وضمانات قانونية لكل من يتدخل لإنقاذ غيره.
وأخيراً ضبط السلاح المنفلت وتعزيز الإجراءات الأمنية في الأحياء التي تتحول إلى ساحات مفتوحة للجريمة.
نور لبابيدي لم يمت عبثاً
بل مات وهو يذكرنا بأن الإنسانية ما زالت حيّة لكنها تحتاج إلى من يحميها.
رحم الله نور وشفى المصاب وأعاد لهذه الكلمة معناها: العدالة.
كلمة «عكس الاتجاه نيوز»
تحية شكر وعرفان لكل عنصر شريف يسهر على أمن الوطن والمواطن
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وكثرت فيه الاتهامات، وبات من السهل أن ننسى أن خلف كل قضية إنسانًا يعمل في الظل، من حقنا أن نتوقف لحظة صدق لنقول ما يجب أن يُقال: شكرًا لكل عنصر أمن شريف يسهر على أمن الوطن والمواطن، ويحمل على عاتقه ثقيل الأمانة، بعيدًا عن الأضواء، وقريبًا من الخطر.
وتحية خاصة، بل ورفع القبعة، لعنصر الأمن الذي سارع بالقبض على المجرمين في قضية الشهيد نور لبابيدي. ففي وقتٍ كان فيه الألم يعصر القلوب، والغضب يملأ الشارع، كان هناك من عمل بسرعة واقتدار، وتابع تحركات المتهمين، وحدد مسارهم، وألقى القبض عليهم، وأوصل رسالة واضحة: أن دم نور لن يذهب هدرًا، وأن يد العدالة أسرع مما يتوقع المجرمون.
نحن في «عكس الاتجاه نيوز» لا نكتفي ببكاء الضحايا، ولا بإدانة الجريمة فحسب، بل نُشهد الله ثم نُشهد التاريخ أن هناك رجالًا في المؤسسة الأمنية يستحقون الاحترام والتقدير، يعملون ليلًا ونهارًا، ويخاطرون بأنفسهم، ويصبرون على الأذى، ليحفظوا أمن الناس. تحية لهم جميعًا، وعرفانًا لكل يد ساهمت في القبض على هؤلاء المجرمين، ورفع القبعة لكل ضابط وفرد شريف يشعر أن دم أي مواطن ليس رخيصًا.
إلى كل عنصر أمن شريف: أنتم درع الوطن، وسيف العدالة، وعين المجتمع. فليكن عملكم هذا فخرًا لكم، ورسالة لكل من يحاول العبث بأمن الناس: إن وراء كل ضحية رجالًا لا ينامون.
«عكس الاتجاه نيوز» — كلمة حق تُقال في زمنٍ قلّ فيه الثناء، وكثر فيه الجحود.




