مقالات

وثيقة كامبل بانرمان: حقيقة أم خيال؟

إبراهيم علوش – الميادين نت

ترد إحالاتٍ عربيةً، دورياً، من كتاب وباحثين عرب جادين ورصينين، إلى ما يسمونه “وثيقة كامبل بانرمان” لتفكيك الوطن العربي وإنشاء حاجز بشري غريب في قلبه، أي في فلسطين. وهي وثيقة يفترض أنها نتجت من اجتماع عقدته بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا في لندن بين عامي 1905 و1907 قررت فيه منع نقل التكنولوجيا إلى الأمة العربية، وإثارة النزاعات بين طوائفها ومكوناتها، وزرع كيان في فلسطين يفصل جناحها الآسيوي عن جناحها الإفريقي.

تبدو سردية الوثيقة جذابةً عربياً إلى حدٍ لا يقاوم بالنظر إلى كونها تمثل:
أ – اعترافاً موثقاً من طرف القوى الغربية.
ب – مخططاً مرسوماً طبق الأصل لما جرى في الوطن العربي بعد رحيل الاحتلال العثماني.
ج – مرجعاً استند إليه عشرات الكتاب والباحثين العرب وعمموه في الخطاب اليومي على مدى عقود، حتى بات من المسلمات.

تبقى المشكلة الوحيدة أن تلك “الوثيقة”، أو المخطط، لم يجد أحدٌ لها أثراً بعد، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها بعضهم في البحث عنها. ولعل أبرز هؤلاء الكاتب والباحث الفلسطيني الراحل د. انيس الصايغ الذي أمضى شهراً في بريطانيا،”في دار الوثائق البريطانية، ومكتبة المتحف البريطاني، وجامعة كامبريدج”، بحسب إحدى المقالات الجادة التي أوردت ذلك استناداً إلى الصفحات 279-281 من مذكرات د. أنيس الصايغ، حين ذهب يُفَلّي كل ما يتعلق بكامبل بانرمان ووثائقه ووثائق المرحلة التي رافقت المؤتمر المزعوم، فلم يجد شيئاً قط.

ولم تتسرب الوثيقة المفترضة عبر شقوق السنين منذ عام 1907 حتى يومنا هذا، كما تسربت عام 1917 وثيقة سايكس-بيكو بعد انقلاب النظام في روسيا، على الرغم من تقلبات ميزان القوى الدولي، وتقلّب الأنظمة السياسية في الدول التي يفترض أنها وقعتها، مثل إيطاليا وإسبانيا، ووقوع بعضها تحت احتلال ألماني في الحرب العالمية الثانية، مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا، مع العلم أن هتلر، الذي لم يجد مشكلة في دعم الحاج أمين الحسيني ضد البريطانيين، كان سيجد مصلحة كبيرة في نشر هكذا وثيقة كانت ستدفع العرب والمسلمين إلى صفه.

ما الداعي لإعادة فتح باب الحوار حول وثيقة كامبل بانرمان؟

قبل المتابعة، أود القول لمن يأنفون من الاهتمام بالتاريخ، ولو كان حديثاً، إن هذه السطور تتناول شأناً معاصراً هو مشكلة المنهج العلمي، أو ضعفه بالأحرى، في الصف القومي والمقاوِم، ومشكلة قابلية العقل العربي لتداول الخرافة، ما دامت تروق لأسماعه.

ينتج عن ذلك مشكلة أخرى، سياسية، هي تسخيف عدونا للوثائق والوقائع الحقيقية، والتي لا يمكن إنكارها، لما فتئ يقوم به في وطننا العربي عبر التاريخ الحديث برمته، بذريعة ارتباطها في خطابنا بأسانيد ضعيفة أو واهية، تحت عنوان “نظرية المؤامرة”. ومن جرب كيف ينال الغربيون من أي مقولة غير موثقة نطلقها يفهم جيداً معنى هذا الكلام.

باختصار، مقولتي المتواضعة هي: لسنا بحاجة إلى وثيقة كامبل بانرمان، لأن هناك ما يكفي من الأدلة والمستندات والوقائع الجرمية التي تثبت أن الاستعمار احتل بلادنا ونهبها وقسمها وتآمر عليها وما برح يفعل، وبأنه منح فلسطين لليهود بموجب وثيقة واضحة اسمها وعد بلفور، وبأنه وضع اتفاقية تقسيم اسمها سايكس-بيكو… إلخ. وكما قالها المتنبي في أروع صياغة: “وليسَ يَصِحُ في الإفهامِ شيءٌ، إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ”.

لماذا نسند قضيتنا إذاً إلى أدلة ضعيفة عندما تكون لدينا أدلة أثبت منها بكثير؟ ولماذا نربط وضوح النهار بدليلٍ، في حين أن ما لدينا يكفينا؟ هذا هو السؤال.

تتلخص المشكلة هنا طبعاً في أن بعض مواقع العدو الصهيوني تتهكم على الخطاب القومي والمقاوم بذريعة بعض الأسانيد الضعيفة، مثل وثيقة كامبل بانرمان (وغيرها)، وفي أن بعض المثقفين العرب، الذين هاجموا الوثيقة كخرافة، يرتبطون بمشاريع تطبيعية أو ليبرالية غربية، أي أنهم يتبنون نهج تجويف الطرح المقاوِم بالأسلوب ذاته. ويدفع هذا الأمرُ المواطنَ العربيَ المخلصَ غريزياً إلى الدفاع عن أصالة الوثيقة كردة فعل في سياق مجابهة الخطاب المخترق بصورةٍ عامة، حتى إن تلك القلة القليلة من الكتاب العرب المقاومين الذين انتقدوا الوثيقة وأكدوا على عدم وجودها (حتى الآن)، لم يصلوا إلى نفيها أو نفي الحاجة إليها.

لكنه فخٌ خطابيٌ محكم، يدفعنا إلى خلط الصالح بالطالح والموثوق به بالمشتبه فيه، مسقطاً كل شيء. وإذا كان البعض يمل من كثرة المراجع والأرقام، أو من الحرص على بسط الروابط المنطقية بإحكام، مفضلاً المنشورات السريعة والمقالات القصيرة التي تتضمن “قفشات” مسلية أو خفيف الكلام، فإن الخط القومي المقاوِم في القرن الـ 21 لا يملك رفاهية التخلي عن سلامة المنهج وتماسكه العام، ولا يملك أن يبني خطابه على شذرات الأوهام.

كما أن الرد بمنطق “اثبت لي أنها غير موجودة” ليس مقبولاً في العلم أو في القانون. كيف تثبت أن أمراً ما، أو جريمة، أو وثيقة، غير موجودة، من دون أن تمتلك معرفة كاملة بكل ما هو موجودٌ في العالم؟ ولذلك يقال في القانون: البينة على من ادعى. ولا تستطيع في الرياضيات أن تثبت وجود مجموعة خالية empty set، إلا إذا عرفت شروط عدم الخلاء، أي ما ليس خالياً أو سائر العناصر الأخرى كافةً.

بعض المشاكل المنطقية في وثيقة كامبل بانرمان

لا نستطيع أن نثبت بالمطلق إذاً أن وثيقة كامبل بانرمان غير موجودة، لكن ذلك لا يعد بذاته بينة على وجودها. لكن يمكن أن نقول، في المقابل، إن عدم وجود أي دليل عليها يرجح عدم وجودها، حتى يثبت العكس. على الرغم من ذلك، يمكن الإشارة إلى مجموعة من التصدعات المنطقية في سردية كامبل بانرمان تزيد في احتمال عدم وجود وثيقة من هذا النوع، بناءً على المنشور بشأنها عبر الإنترنت بالعربية، ومنها:
أ – أن سردية كامبل بانرمان تدّعي أن مؤتمراً سرياً انعقد في لندن لـ 6 دول بين عامي 1905 و1907، فهل يعقل أن يترك أصحاب قرار دولي في 6 دول استعمارية سائر أعمالهم وأشغالهم على مدى عامين كي يتفرغوا لتخطيط مستقبلنا نحن العرب فقط؟
ب – أن الرواية تزعم أن من دعا للمؤتمر هو آرثر بلفور (صاحب الوعد إياه)، في حين أن بلفور كان رئيس الوزراء السابق لهنري كامبل بانرمان الذي تولى منصبه عام 1905، بعد بلفور، وبقي فيه حتى عام 1908. وكان بلفور من حزب المحافظين، وكامبل بانرمان من حزب الليبراليين (الأحرار). وكان بين الحزبين ما صنع الحداد انتخابياً، فهل من المنطقي أن يتولى بلفور تصميم مؤتمر دولي كبير، من تحت أنف رئيس حكومة ووزراء حرب وخارجية ومستعمرات، وكلهم من الحزب الليبرالي الذي انتزع السلطة انتزاعاً من حزب المحافظين عام 1905 في انتخابات صعبة، في انتظار أن يسفر ذلك عن توصيات للسير هنري كامبل بانرمان، كما يزعم مدخل “مؤتمر كامبل بانرمان” بالعربية في موقع ويكيبيديا، وأن التقرير سمي بعد ذلك باسمه، لا باسم بلفور؟ وهل كان بلفور، الذي أطلق وعده الشهير بصفته وزيراً للخارجية عام 1917، سيخجل من ذكر دوره في مشروعٍ من هذا النوع؟
ج – أن صيغة أخرى من صيغ سردية كامبل بانرمان تزعم، بصورة مناقضة، أن كامبل بانرمان حضر المؤتمر، وصاغ تقريره النهائي بنفسه (أنظر مدخل “تقرير كامبل” في ويكيبيديا). فأيهما الصحيح يا ترى؟
د – أن المشاركين في مؤتمر كامبل بانرمان، على ما تزعم السردية، اقتصروا على الدول الأوروبية الـ6 المذكورة أعلاه. لكن لوحة القوى العظمى في العقد الأول من القرن الـ 20 كانت تضم أيضاً: النمسا-هنغاريا، ألمانيا، اليابان، روسيا القيصرية، والولايات المتحدة. فكيف ينفذ مشروعٌ دوليٌ كبير من دون كل تلك القوى، أو بعضها الغربي على الأقل؟ وعلى افتراض أن تلك القوى لم تشارك في صياغة مشروع كامبل بانرمان، لماذا يبقى ذلك المشروع ملزماً لها بعد تغير ميزان القوى في الساحة الدولية؟
هـ – أن سردية كامبل بانرمان تصر على أن مشروع تقسيم الوطن العربي وإبقائه متأخراً وزرع “إسرائيل” أبقي سرياً على مر السنين، في حين أن ذلك كان سياسةً رسميةً بريطانيةً معلنةً منذ النصف الأول من القرن الـ 19 في مواجهة حملة إبراهيم محمد علي باشا في بلاد الشام والجزيرة العربية.

وكان رائد تلك السياسة وزير الخارجية البريطاني آنذاك هنري جون تمبل، الشهير باسم بالمرستون، والذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء. وفي رسالة إلى سفيره في إسطنبول، عام 1840، وجه بالمرستون السفير لإقناع الباب العالي بأن “عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته تشكل سداً في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي أو من يخلفه”. وهذه مسألة سجلٍ علني. والمصدر هو: د. عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص. 24، الطبعة التاسعة. ويذكر أن د. الكيالي وثق الرسالة بالرقم المتسلسل من أرشيف مكتبة المتحف البريطاني.

إن هذا دليل ملموس آخر على التوجه البريطاني لزرع كيان غريب في فلسطين لمنع قيام دولة عربية واحدة (بدلالة تعبير “أو من يخلفه”). وقد تبلور هذا التوجه على خلفية إلقاء الجيوش الأوروبية (ومنها روسيا القيصرية) كل ثقلها إلى جانب العثمانيين ضد إبراهيم محمد علي باشا وقواته العربية (لا، لم تكن ألبانية أو مملوكية، بدلالة التجنيد الإجباري في مصر والسودان وبلاد الشام).

وهناك رسالة أخرى من بالمرستون إلى سفيره في نابولي (لم تكن إيطاليا موحدةً بعد) عام 1833، تصب في الاتجاه ذاته، أوردها كاتب عربي مرموق، لكنني لن اقتطفها هنا، لأنه لم يرفق معها رقماً متسلسلاً من المصدر البريطاني الأصلي.

ما هي حقيقة المؤتمر الدولي الذي انعقد في بريطانيا عام 1907؟

انعقد في لندن، بين 15/4 و14/5 من عام 1907، مؤتمرٌ سمي “المؤتمر الإمبريالي” Imperial Conference، برئاسة رئيس الوزراء هنري كامبل بانرمان. واقتصر المشاركون فيه على المستعمرات البريطانية، أو التي تمتد إليها سلطة التاج البريطاني، والتي يحكمها بيضٌ ناطقون بالإنكليزية، وهي: كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، دول جنوب إفريقيا الـ3 (التي لم تكن موحدة بعد)، ومستعمرة “نيوفاوندلاند” مقابل كندا، والتي صوتت عام 1949 على الالتحاق بكندا. وتعلق ذلك المؤتمر بطبيعة العلاقات بين المملكة المتحدة ومستعمراتها السابقة، إذ أسفر المؤتمر عن نزع صفة مستعمرات عنها وتحويلها إلى “أراضٍ خاضعة أو تابعة” Dominion للتاج البريطاني.

نوقش في ذلك المؤتمر موضوع منح إيرلندا والهند مزيداً من الحكم الذاتي، لكن ممثلي هذين البلدين لم يكونوا رسمياً من المشاركين في اتخاذ القرار.

جاء ذلك المؤتمر تتمةً للمؤتمر الاستعماري Colonial Conference عام 1902، وكان المشاركون فيه من حكام المستعمرات البيض الناطقين بالإنكليزية، أي نسخة طبق الأصل عن المشاركين في مؤتمر عام 1907. وسبق المؤتمرين مؤتمر 1897 في لندن وفق الخلطة ذاتها من الحكام البيض الناطقين بالإنكليزية، باستثناء أن أستراليا كانت دولاً عدة آنذاك، وعقد تحت عنوان “المؤتمر الاستعماري” أيضاً. أما “المؤتمر الإمبريالي” لعام 1911، فانعقد بالمجموعة ذاتها من الدول، باستثناء أن جنوب إفريقيا أصبحت موحدة آنذاك.

تبع ذلك مؤتمرات “مجلس وزراء الحرب الإمبريالي” للإمبراطورية البريطانية عامي 1917 و1918، الذي ضم الهند رسمياً أيضاً لأول مرة ممثلة بوفد من 4 مندوبين، 2 منهما من البيض الإنكليز في الهند.

كانت كل تلك المؤتمرات معنيةً بتنظيم الشأن “الداخلي” للإمبراطورية البريطانية بصفتها بيضاء ناطقة بالإنكليزية. وعلى الرغم من مزاعم البعض أن الاحتلال العثماني حمى الوطن العربي من الغرب، فأن بريطانيا احتلت أراضي عربيةً منذ القرن 19: جنوبي اليمن 1839 (لتطويق تمدد إبراهيم محمد علي باشا)، مصر 1882، والسودان 1898، مع اختراقات شتى في الجزيرة العربية عبر القرن 19. وإن العبرة هنا هي أن اتخاذ قرار دولي بشأن الوطن العربي ما كان ليكتب له النجاح من دون مشاركة قوى دولية أخرى إلى جانب بريطانيا.

لذلك، لم تكن تلك المؤتمرات المكان المناسب لاتخاذ قرار دولي يعيد هندسة الوطن بصورته المفككة والمحتلة والتابعة والمتأخرة. إن مما لا شك فيه أن مثل ذلك القرار اتخذ ونفذ، بدلالة الوقائع الراسخة على الأرض، أما أن يكون عنوان ذلك القرار كامبل بانرمان 1907، فذلك ما لا ترجحه الدلائل.

على صعيدٍ آخر، وبالعودة مسألة سلامة المنهج وتماسكه، أود أن أبدي الملاحظات التالية:

أ – إن ما يسمى “برتوكولات حكماء صهيون” يشوبه كثيرٌ من الشبهات، وإن لدينا كمية وافرة من الوقائع والأرقام كي نثبت حقيقة وجود نفوذ يهودي عالمي، هو لب الحركة الصهيونية، من دون الحاجة إلى البرتوكولات.
ب – إن ربط عدالة قضية فلسطين بقصة أن الشعب اليهودي مخترع أو غير مخترع، على غرار شلومو ساند، هو فخٌ أيضاً. فلو افترضنا أنه غير مخترع، وأنه فرض وجوده في فلسطين قبل ألفي عام، فإن ذلك لا يغير من أن الكنعانيين العرب سبقوه في الأرض المسماة “أرض كنعان” قبل أن تسمى فلسطين، وأن الكنعانيين بقوا فيها مع اليهود وبعدهم، فهي لنا وهم عابرون سابقاً ولاحقاً، ولا يجوز أن نربط عدالة قضيتنا بنظريات ربما يبرز غيرها بعد حين بما ينفيها بعد أن قبلنا مرجعية من أطلقوها.
ج – إن المحك الحقيقي لمن يريد أن يشتغل بالوثائق التي تزعج الحركة الصهيونية حقاً هو دراسات تفنيد “المحرقة” المزعومة التي وضعها المؤرخون المراجعون في الغرب. وإن لمن المؤسف أن ترى من يطأطئ الرأس أمام أساطير “المحرقة”، ثم يصر على غيرها من الوثائق التي يستغلها الغرب وبنو صهيون للاستهزاء بنا، أو يصر أنه مناهضٌ جذريٌ للصهيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى