آخر الأخبار
صفعة كولومبية للشرعية الدولية وزلزال يضرب الدبلوماسية الإقليمية – عكس الاتجاه

صفعة كولومبية للشرعية الدولية وزلزال يضرب الدبلوماسية الإقليمية

اليوم

0
الأسبوع

4
الشهر

4
السنة

4
الإجمالي

4

صفعة كولومبية للشرعية الدولية وزلزال يضرب الدبلوماسية الإقليمية

 

بقلم: أ محمد ضياء الدين بديوي رئيس تحرير عكس الاتجاه نبوز

 

القدس والبوصلة المفقودة؟

 

كيف أعاد قرار كولومبيا خلط الأوراق الإقليمية والدولية؟

 

لم يكن افتتاح جمهورية كولومبيا سفارتها في مدينة القدس المحتلة حدثاً دبلوماسياً عادياً يمكن إدراجه في سجلات البروتوكول الدولي ثم طيه مع مرور الأيام.

فالقرار بما يحمله من أبعاد سياسية وقانونية ورمزية تجاوز حدود العلاقة الثنائية بين بوغوتا وتل أبيب ليفتح باباً واسعاً من الجدل حول مستقبل قضية القدس ومكانة القانون الدولي واتجاهات الاصطفافات الجيوسياسية الجديدة التي تتشكل في النظام العالمي المضطرب.

 

في الرابع عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين افتتحت كولومبيا سفارتها في القدس في مراسم بثها مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي مباشرة برئاسة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ونظيره الكولومبي عمر بولا إسكوبار.

وأصبحت السفارة الكولومبية التي كانت تقع سابقاً في تل أبيب عاشر سفارة أجنبية في القدس.

وجاء الافتتاح غداة إعادة البلدين تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بينهما رسمياً.

 

لقد جاء القرار في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية حيث تتزايد التوترات في الشرق الأوسط فيما تتعرض منظومة الشرعية الدولية لاختبارات قاسية نتيجة تصاعد السياسات الأحادية وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية. ومن هنا فإن خطورة الخطوة الكولومبية لا تكمن في نقل مبنى سفارة من مدينة إلى أخرى بل في الرسالة السياسية التي تحملها والتي تُفهم باعتبارها اعترافاً عملياً بالقدس عاصمة لإسرائيل في تعارض واضح مع الإجماع الدولي الرافض لأي تغيير أحادي للوضع القانوني للمدينة.

 

انتفاضة دبلوماسية عربية وإسلامية

 

الرد العربي والإسلامي لم يتأخر.

ففي السادس عشر من تشرين الأول أكتوبر، أصدر وزراء خارجية تسع عشرة دولة عربية وإسلامية بياناً مشتركاً أدانوا فيه القرار الكولومبي وأكدوا رفضهم القاطع لهذه الخطوة معتبرين أنها تتعارض مع قرارات مجلس الأمن وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين.

 

وشملت قائمة الدول الموقعة على البيان:

مصر فلسطين تركيا جيبوتي لبنان ليبيا اليمن قطر الأردن الصومال ماليزياإندونيسيا السعودية الكويت الجزائر سلطنة عُمان سوريا السودان وباكستان.

كما شدد البيان على أن أي إجراء يهدف إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي للقدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل يعد باطلاً ولاغياً ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

 

واستندت الدول الموقعة إلى قراري مجلس الأمن 476 و478 لعام 1980 اللذين رفضا الإجراءات الرامية إلى تغيير وضع القدس ودعوا الدول إلى عدم إنشاء بعثاتها الدبلوماسية فيها.

وينص القرار 478 تحديداً على أن الإجراءات الإسرائيلية لتغيير وضع القدس “باطلة ولاغية” ويدعو الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في المدينة إلى سحبها.

ومن المفارقات أن كولومبيا نفسها كانت قد أبلغت الأمم المتحدة في الثامن والعشرين من آب أغسطس عام 1980 قرارها نقل بعثتها الدبلوماسية من القدس إلى تل أبيب امتثالاً لقرار مجلس الأمن رقم 478 قبل أن تعيدها إلى المدينة بعد نحو ستة وأربعين عاماً.

 

أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في مضمونه بل في اتساع دائرة المشاركين فيه.

فمن النادر في ظل الانقسامات الإقليمية الراهنة أن تتوافق هذه المجموعة الواسعة من الدول على موقف موحد بهذه الصراحة والحزم.

وهذا يعكس إدراكاً جماعياً بأن قضية القدس لم تعد مجرد ملف فلسطيني بل تحولت إلى معيار لاختبار مصداقية النظام الدولي برمته.

 

ضربة جديدة للقانون الدولي

 

من الناحية القانونية أعاد القرار الكولومبي إحياء النقاش حول مدى احترام الدول للقرارات الدولية الملزمة. فالقدس وفق الموقف الدولي السائد، أرض محتلة منذ عام 1967.

وأي محاولة للاعتراف الأحادي بالسيادة الإسرائيلية عليها تتعارض مع المرجعيات القانونية المعتمدة دولياً.

 

وقد أكدت الدول العربية والإسلامية في بيانها أن الخطوة الكولومبية تمثل خروجاً على هذه المرجعيات وتضعف الأساس القانوني الذي تستند إليه عملية السلام. كما تتعارض الخطوة مع المبادئ القانونية التي أكدت عليها محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في التاسع عشر من تموز يوليو عام ألفين وأربعة وعشرين والذي خلص إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير قانونية بموجب القانون الدولي.

 

وإذا كان القانون الدولي يستمد قوته من احترام الدول له، فإن تزايد مثل هذه القرارات الأحادية يهدد بتحويله إلى منظومة انتقائية تُطبق على بعض الدول وتُستثنى منها دول أخرى الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار النظام الدولي بأكمله.

 

تداعيات إقليمية تتجاوز القدس

 

إقليمياً، تمنح هذه الخطوة دفعة سياسية للحكومة الإسرائيلية التي تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بالقدس عاصمة لها. كما تشجع قوى اليمين الإسرائيلي على المضي قدماً في سياسات فرض الأمر الواقع على الأرض، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المجتمع الدولي بات أقل قدرة أو رغبة في ممارسة ضغوط فعالة.

 

في المقابل يضع القرار الدول العربية والإسلامية أمام اختبار حقيقي.

فالاكتفاء بالإدانة السياسية لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع تحرك دبلوماسي أكثر فاعلية داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.

فالقضية اليوم لم تعد مرتبطة بقرار دولة واحدة، بل بمنع تشكل سابقة قد تدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة في المستقبل.

 

ماذا تريد كولومبيا؟

 

التحليل السياسي يشير إلى أن الحكومة الكولومبية الحالية، بقيادة الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييا الذي تولى منصبه في آب أغسطس عام ألفين وستة وعشرين، تسعى إلى إعادة تموضع استراتيجي في سياستها الخارجية من خلال تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتقوية الروابط الاقتصادية والأمنية معهما. وقد جاء افتتاح السفارة بالتزامن مع مسار إعادة تنشيط العلاقات الثنائية بين البلدين بعد فترة من التوتر السياسي في عهد الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيتروالذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أيار مايو عام ألفين وأربعة وعشرين بسبب الحرب على غزة، ثم ألغى اتفاقية التجارة الحرة في أيلول سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين بعد احتجاز البحرية الإسرائيلية مواطنين كولومبيين كانا على متن أسطول متجه إلى غزة في تشرين الأول أكتوبر من العام نفسه.

 

لكن هذا الخيار قد يحمل كلفة دبلوماسية مرتفعة على بوغوتاخصوصاً في علاقتها مع العالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن تأثيره المحتمل على صورة كولومبيا كدولة كانت تحاول تقديم نفسها لاعباً متوازناً في القضايا الدولية.

 

البعد الجيوسياسي: شرق أوسط أكثر احتقاناً

 

على المستوى الجيوسياسي يأتي القرار في سياق صراع أوسع على شكل النظام الدولي المقبل.

فالعالم يشهد اليوم تنافساً متزايداً بين من يدافعون عن المرجعيات القانونية الدولية وبين من يميلون إلى فرض الوقائع السياسية على الأرض ثم السعي إلى انتزاع الاعتراف بها لاحقاً.

 

وفي هذا السياق تصبح القدس أكثر من مجرد مدينة متنازع عليها إنها رمز للصراع بين منطق الشرعية ومنطق القوة.

ولذلك فإن أي تغيير في المواقف الدولية تجاهها يترك آثاراً تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية لتطال التوازنات الإقليمية وصورة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وقدرتهما على حماية القرارات الصادرة عنهما.

 

قد تنجح الحكومات في نقل السفارات لكنها لا تستطيع نقل الحقائق التاريخية ولا تغيير المكانة القانونية للقدس بقرارات أحادية.

وما حدث مع كولومبيا لا يمثل مجرد تحول في سياسة دولة من أمريكا اللاتينية بل يشكل اختباراً جديداً لمدى قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن مبادئه المعلنة.

 

فالقدس كانت وما زالت عنواناً للصراع على الشرعية والهوية والسيادة.

وكلما حاولت بعض القوى تكريس سياسة الأمر الواقع ازدادت الحاجة إلى موقف دولي أكثر صلابة يحمي القانون الدولي من التآكل ويحفظ ما تبقى من مصداقية النظام العالمي.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الحقيقي أين تقع السفارات بل أين تقف العدالة وأي مستقبل ينتظر نظاماً دولياً يسمح للقوة بأن تتقدم على القانون.

 

المصادر

 

1. «كولومبيا تفتتح سفارتها في القدس»، وكالة شينخوا، الرابع عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

2. «الخارجية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة»، وكالة وفا الرابع عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

3. «19 دولة عربية وإسلامية تدين قيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس المحتلة»، وكالة وفا، السادس عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

4. «Colombia opens embassy in Jerusalem»، وكالة أسوشيتد برس، الرابع عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

5. «Legal Consequences arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem»، محكمة العدل الدولية، التاسع عشر من تموز يوليو عام ألفين وأربعة وعشرين.

6. «Israel-Colombia Free Trade Agreement restored»، وزارة الخارجية الإسرائيلية، الثالث عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

7. «تركيا تدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس المحتلة» وكالة أنباء منظمة التعاون الإسلامي الخامس عشر من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين.

 

تنويه مهني:

هذا المقال تحليل سياسي يستند إلى مصادر منشورةولا يتبنى الكاتب أي اتهامات جنائية ضد أي طرف.

جرى تجنب الجزم بأي معلومات ٧لم تؤكدها مصادر أولية أو رسمية.

الكاتب مسؤول عن التحليلات والاستنتاجات الواردة فيه.

المرصد الدولي لحرية الصحافة – 4
المرصد الدولي لحرية الصحافة -3
المرصد الدولي لحرية الصحافة 2
dotcom4host
صفحة 1 من 2
تواصل معنا
تواصل معنا