
السفيرة: أمّي الصغيرة التي تسكنني… ومدينةٌ تصنع هويتها من التاريخ والتراب
3
3
3
3
3
السفيرة: أمّي الصغيرة التي تسكنني… ومدينةٌ تصنع هويتها من التاريخ والتراب
أحمد العبدالله
ليست المدنُ سواءً في ذاكرة أبنائها.
ثمة مدنٌ نسكنها وثمة مدنٌ تسكننا. وثمة أماكنُ نعبرها في رحلة العمر، وأماكنُ تعبر في أرواحنا فتقيم فيها إلى الأبد. والسفيرة عندي، ليست بقعةً على خارطة سوريا ولا مركزاً إدارياً في ريف حلب الجنوبي الشرقي فحسب.
هي أمّي الصغيرة التي احتضنت طفولتي وربّت أحلامي وعلّمتني كيف أحب الأرض والناس والحياة.
تقع السفيرة على محور يربط حلب بامتدادات البادية السورية والطرق المؤدية إلى المناطق الوسطى. هذا الموقع لم يكن يوماً تفصيلاً جغرافياً عابراً.
كان قدراً وميزةً وعبئاً في الوقت نفسه. من هنا مرّت القوافل ومن هنا تشابكت البيئات الزراعية بالمراكز التجارية ومن هنا اكتسبت المدينة دوراً إدارياً وخدمياً لسلسلة واسعة من البلدات والقرى المحيطة. وحين تُذكر السفيرة يتبادر إلى الذهن تاريخٌ ضاربٌ في أعماق الزمن. مدينةٌ تعاقبت عليها حضارات منذ آلاف السنين وتركت على ترابها آثار الحثيين والآشوريين والآراميين.
في تلالها القديمة ما يشهد على أن هذه الأرض لم تكن هامشاً في تاريخ المنطقة بل كانت ممراً للحضارات وملتقى للقوافل وموطناً للإنسان منذ فجر التاريخ.
المعطيات الأثرية لا تقدم صورة مكتملة لكنها تكفي لقول إن المكان اختزن ذاكرة طويلة وإن النقوش واللقى التي ظهرت في محيطه قدمت مادة مهمة لدراسة تاريخ بلاد الشام القديم ولغاتها وحضاراتها.
غير أن عظمة السفيرة لا تكمن فقط في حجارتها القديمة أو مكتشفاتها الأثرية، بل في ناسها البسطاء الذين صنعوا منها مدينةً نابضة بالحياة. هنا تعرف معنى الجيرة الحقيقية حيث تتداخل البيوت كما تتداخل القلوب وحيث يصبح الفرح جماعياً والحزن مشتركاً وحيث لا يزال الإنسان يُقاس بكرمه وأخلاقه قبل أي شيء آخر. تشكل النسيج الاجتماعي من تفاعل طويل بين سكان المدينة ومحيطها الريفي فأوجد ذلك نموذجاً قائماً على الترابط والتكافل والشعور الجماعي بالانتماء.
ولم تكن القيم الاجتماعية مجرد كلام يُقال في المناسبات، بل كانت ممارسة يومية تحمي المدينة من التفكك حين تضيق الظروف.
السفيرة مدينةٌ تعيش على نبض الأرض.
تمتد حولها الحقول الخصبة التي تتزين بألوان المواسم وتتنفس من ترابها رائحة القمح والبندورة والخضار التي لطالما شكّلت جزءاً من هويتها الاقتصادية والاجتماعية.
الفلاح في السفيرة ليس مجرد مزارع، بل حارس لذاكرة الأرض، يزرع الأمل مع كل موسم، ويقاوم قسوة الحياة بإيمان لا يتزعزع بأن الخير يخرج دائماً من رحم التعب.
وقد ساعدت خصوبة الأراضي المحيطة وتنوع الظروف الطبيعية على ازدهار زراعة محاصيل استراتيجية وموسمية، ما منح المدينة مكانة خاصة في الخريطة الزراعية لمحافظة حلب وجعل أسواقها المحلية مركزاً يخدم نطاقاً واسعاً من القرى والتجمعات المجاورة.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، تقف سبخة الجبول كجزء من خصوصية المكان تعانق الأفق وتروي حكاية طويلة بين الإنسان والطبيعة. هناك حيث يتحول الملح إلى رزق، والماء إلى قصة كفاح تتجسد علاقة أهل المنطقة بأرضهم التي لم تبخل عليهم يوماً رغم كل الصعوبات. هذه الموارد الطبيعية لم تكن مجرد منظر بل كانت رافداً اقتصادياً وعنصراً في تشكيل عقلية السكان وعلاقتهم بالمكان.
لقد منحت السفيرة لسوريا أكثر مما أخذت.
كانت جسراً يربط الشمال بالوسط وبوابةً استراتيجيةً تحمل أهمية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي.
لكنها في الوقت نفسه دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب حين مرّ عليها الألم كما مرّ على معظم المدن السورية.
تعرضت للخراب وهاجر كثير من أبنائها، وتبدلت ملامح كثيرة فيها.
غير أن المدن العظيمة لا تُهزم بسهولة والسفيرة كانت دائماً أقوى من الجراح، لأنها تستمد قوتها من أهلها ومن تاريخها ومن جذورها العميقة في هذه الأرض.
أثبتت التجربة أن قوة المدن لا تُقاس بما تمتلكه من عمران فحسب بل بقدرة سكانها على حماية هويتها واستمرار دورها الحضاري رغم الظروف الاستثنائية.
وحين أكتب عن السفيرة اليوم لا أكتب بوصفها موضوعاً صحفياً أو مادةً تاريخية.
أكتب عنها بوجدان الابن الذي كلما ابتعد عنها اكتشف كم أنها تسكنه.
أكتب عن شوارعها التي حفظت خطوات الطفولة وعن وجوه أهلها التي تشبه الطمأنينة وعن سمائها التي كانت تبدو أوسع من كل سماوات العالم. أكتب عنها لأنها المكان الذي تعلّمت فيه أول الحروف، وعرفت فيه أول الأحلام وفهمت فيه أن الإنسان مهما ابتعد لا يستطيع أن يخلع جذوره من ترابه.
السفيرة بالنسبة لي ليست مدينةً فحسب إنها ذاكرةٌ تمشي على قدمين، وقلبٌ ينبض في أقصى الروح.
هي نموذج لمدينة سورية تحمل في ذاكرتها شواهد الماضي وفي حاضرها إرادة الحياة وفي مستقبلها إمكانات كبيرة لاستعادة دورها التنموي والحضاري. لهذا لا أكتب عنها لأنها مدينتي فقط بل أكتب عنها لأنها أمّي الصغيرة التي أرضعتني حب الأرض وعلّمتني معنى الانتماء، وغرست في داخلي يقيناً لا يتبدد: أن الأوطان الحقيقية ليست تلك التي نسكنها، بل تلك التي تسكننا إلى الأبد.




