
لبنان… الوطن الذي علّم العالم الحرف قبل أن تتعلّم الأمم أسماءها
5
5
5
5
5
لبنان… الوطن الذي علّم العالم الحرف قبل أن تتعلّم الأمم أسماءها
بقلم: دعاء فضة
بيروت
لا أكتب عن لبنان لأنني مضطرة.
أكتب لأن هذا البلد إن لم تكتب عنه انت كتب هو عنك.
هو لا يترك أحداً على الحياد. إما أن تحبه أو أن تتعب من محبته. لكنك في الحالتين لن تنساه.
فحين أفتح كتب التاريخ لا أبحث عن لبنان بين الخرائط. أبحث عنه في الهامش حيث يبدأ كل شيء. هناك على ساحل المتوسط بين جبيل وصور وصيدا لم يكن البحر مجرد ماء.
بل كان طريقاً.
ومن ذلك الطريق خرج الفينيقيون لا يبحثون عن إمبراطورية بل عن أفق.
حملوا الزيت والخشب والأرجوان وحملوا معهم شيئاً أخطر: وهو الحرف.
لم يعطوا العالم سلعة بل أعطوه قدرة على أن يكتب نفسه.
من تلك النقوش التي حفرها أجدادهم على الحجر تعلّم اليونان وعلماءها و ثم تعلّم الرومان و ثم تعلّم العالم كله أن الكلام يمكن أن يبقى بعد صاحبه.
نعم نحن نكتب اليوم لأن أحداً في جبيل قرر قبل آلاف السنين أن الصوت لا يكفي.
ومن صور خرجت سفن لم تعد تحمل بضاعة فقط بل فكرة. ذهبت بعيداً إلى قرطاج وغيرها لتؤسس مدناً وطرقاً وتجارة.
ولم يكن الفينيقيون يبنون الجدران بل كانوا يبنون الجسور. ولم يكن مجدهم عسكرياً عابراً بل مجد إنساني طويل: حرف وكتاب وانفتاح.
وبيروت؟ .
بيروت لم تكن يوماً مجرد ميناء بل كانت في زمن روما قبلة طلاب القانون.
كانوا يأتون من أقاصي الإمبراطورية ليتعلموا في مدرستها. هناك بين الحجر والكلمة صُنعت فكرة أن المدينة ليست جيشاً بل نص.
أن الشريعة ليست سيفاً بل عقل.
لذلك وحتى اليوم حين تُذكر بيروت.لا تُذكرها فقط لأنها عاصمة صحافة وثورة وحزن بل لأنها كانت منذ القديم مكاناً يتعلم فيه الناس كيف يعيشون معاً تحت قانون.
حتى لقّبتها روما بأم الشرائع.
ثم جاء العصر الحديث وعاد لبنان إلى طبعه. لم يكن بحاجة إلى جيش ليقود النهضة العربية.
كان يكفيه مطبعة ومدرسة وجريدة.
من بيروت خرجت الأفكار ومن جبل لبنان خرجت العقول.
هنا طُبعت صحف وهناك تخرّجت نخب وفي هذه الزوايا الصغيرة بين كنيسة ومسجد وجامعة وُلد سؤال النهضة: كيف نكون عرباً وعصريين في الوقت نفسه؟
لم يكن ذلك ترفاً.
كان قدر هذا المكان الصغير الذي لا يحسن أن يكون على الهامش.
لكن عظمة لبنان ليست في متحف وليست في حجر فينيقي ولا في مخطوطة.
عظمته في ناسه.
في تلك القدرة الغريبة على أن يجتمع المسيحي والمسلم الدرزي والسني والشيعي الأرمني والسرياني على طاولة واحدة ولو اختلفوا على كل شيء.
ليس لأنهم ملائكة ولا لأنهم يحبون بعضهم دائماً.
بل لأنهم تعلّموا بالدم أحياناً أن الاختلاف ليس عيباً.
و أن التنوع ليس عدوّاً.
أن البلد الذي يشبه العالم لا يمكن أن يحكمه لون واحد.
اليوم، لبنان متعب. هذا ليس سراً.
الأزمات أخذت منه الكثير.
الشباب يهاجرون الكهرباء تغيب والوجع كبير.
في الشوارع ترى الحزن في وجوه الناس وترى معه عناداً غريباً.
كأن اللبناني حتى وهو منهك يرفض أن يصدق أن النهاية قريبة.
قالوا عنه مات فقام. قالوا انكسر فعاد.
قالوا انتهى فكتب صفحة جديدة.
ليس لأن الأرزة أسطورة بل لأن الناس هنا يعرفون كيف يبنون من الركام ولو بجرح.
لذلك إذا سألك أحد عن لبنان لا تحدثه عن الخريطة.
الخريطة صغيرة. حدثه عن الحرف الذي مشى على قدمين وعن سفن خرجت من صور لتؤسس مدناً بعيدة وعن قانون دُرّس في بيروت قبل أن تعرف مدن كثيرة معنى الجامعة.
حدثه عن بلد لم يحكم العالم بالسيف بل أقنعه بالكتاب.
لبنان ليس أكبر من أزماته.
هذا كلام يقال في المناسبات.
لبنان أكبر من أن يُختصر في أزمة.
هو فكرة قديمة: أن الإنسان يستطيع أن يعيش على حافة البحر بين جبال وطوائف وأسئلة ويظل ينتج نوراً.
وطن صغير في الجغرافيا.
نعم.
لكنه منذ آلاف السنين، إمبراطورية من نور في ذاكرة العالم.
وهذه ليست مبالغة. هذه مجرد حقيقة تأخر العالم في الاعتراف بها.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




