آخر الأخبار
خط النّار الأزرق مصر وإثيوبيا وسد النّهضة… شهادة على زمنٍ يتفكك – عكس الاتجاه

خط النّار الأزرق مصر وإثيوبيا وسد النّهضة… شهادة على زمنٍ يتفكك

اليوم

7
الأسبوع

7
الشهر

7
السنة

7
الإجمالي

7

خط النّار الأزرق

مصر وإثيوبيا وسد النّهضة… شهادة على زمنٍ يتفكك

 

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

 

مصر وإثيوبيا : النيل الذي صار خط نار

 

لا أتذكر متى بالضبط تحوّل نهر النيل من ذلك الشريان الأسطوري الذي غنّى له الشعراء إلى بندقية مصوّبة نحو رأس المنطقة. لكنني أتذكر جيداً ذلك الصباح في أديس أبابا حين رأيت جنوداً يحيطون بمبنى السفارة المصرية ورأيت في عيون المارة مزيجاً غريباً من اللامبالاة والخوف. لم يكن أحد يريد أن يقولها بصوت عالٍ لكن الجميع كان يفكر فيها: نحن ذاهبون إلى الحرب.

 

هذا ليس تحليلاً. هذه شهادة على زمن يتفكك أمام أعيننا.

 

أولاً: حين مات الكلام

 

خمسة عشر عاماً. هذا ما استغرقته المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة. خمسة عشر عاماً من الاجتماعات والبيانات والوعود انتهت كلها في لحظة واحدة.

لا أعرف من أغلق الباب أولاً — المصريون يقولون إن الإثيوبيين لم يتركوا خياراً والإثيوبيون يقولون إن المصريين كانوا يبحثون عن ذريعة. الحقيقة؟ لا أحد يعرف. والأسوأ من ذلك لا أحد يهتم.

 

ما يهم الآن أن لغة الحوار ماتت. لم تعد هناك مفاوضات. لم تعد هناك وساطات. فقط اتهامات متبادلة وطرد دبلوماسيين وبيانات عسكرية تتصاعد نبرتها يوماً بعد يوم. قبل أسابيع طردت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً. فردت القاهرة بالمثل. لعبة أطفال؟ ربما. لكنها لعبة خطيرة عندما يكون الرصاص جاهزاً.

 

الاتحاد الأفريقي الذي كان يوماً ما يلعب دور الحكيم في هذه القصة أصبح اليوم مجرد متفرج. أطلق بياناً قبل أيام يحذر من “انفجار الأوضاع”. من يقرأ البيان يشعر أنهم أنفسهم لا يصدقون ما يقولون.

 

ثانياً: الحرب التي لا يريد أحد الاعتراف بها

 

لنكن صريحين: لا أحد في القاهرة أو أديس أبابا يريد حرباً مباشرة. المصريون يعرفون أن ضرب السد عملية انتحارية لوجستياً. والإثيوبيون يعرفون أن جيشهم المنهك أصلاً في حروب داخلية لا يستطيع فتح جبهة جديدة. لكن هذا لا يعني أن الحرب لم تبدأ.

 

الحرب بدأت بالفعل. لكنها حرب بالوكالة. حرب قذرة. حرب يدعم فيها كل طرف أعداء الآخر.

 

الإثيوبيون يتهمون مصر بدعم “المعارضة المسلحة” — تحالف غريب يضم جبهة تيغراي وحركة فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو. سبع جماعات بينها خصوم قاتلوا بعضهم البعض في حرب 2020-2022 تجتمع الآن تحت هدف واحد: إسقاط آبي أحمد. المصريون ينفون. يقولون إنها “محاولة إثيوبية لتصدير الأزمة”. ربما. لكنني سمعت من مصادر في المنطقة أشياء لا يمكنني كتابتها هنا. فقط أقول: لا يوجد دخان بلا نار.

 

وفي غضون ذلك هناك إريتريا. الدولة التي كانت جزءاً من إثيوبيا يوماً ثم صارت عدواً ثم حليفاً ثم عدواً مرة أخرى.

قبل أيام قطعت أديس أبابا علاقاتها الدبلوماسية مع أسمرة بالكامل. طردت عشرة دبلوماسيين إريتريين في 48 ساعة. لماذا؟

لأن إثيوبيا تقول إن إريتريا تدعم المتمردين. وإريتريا تقول إن إثيوبيا تبحث عن شماعة لتغطية فشلها الداخلي.

 

اللعبة معقدة. والضحايا؟

المدنيون.

 

ثالثاً: الأرقام التي لا تكذب

 

هناك شيء واحد لا يمكن تزييفه: الأرقام.

 

في مصر الفجوة المائية تبلغ 54 مليار متر مكعب سنوياً. هذا يعني أن مصر تعيش على أقل من نصف احتياجاتها المائية. أي انخفاض في حصتها — 55.5 مليار متر مكعب — يعني كارثة زراعية. تقارير تقول إن الخسائر قد تصل إلى خصم 38 مليار متر مكعب سنوياً. تخيلوا ما يعنيه هذا لمزارع في الصعيد يعتمد على النيل منذ آلاف السنين.

 

وفي إثيوبيا السد يبيع الكهرباء لجيبوتي والسودان وكينيا. عائدات تصل إلى 100 مليون دولار سنوياً. لكن إثيوبيا نفسها تعاني من انقطاع الكهرباء. السد الذي يبيع النور للآخرين لا يضيء بيوت مواطنيه.

 

ثم هناك لعبة التعويضات. إثيوبيا شكّلت لجنة “لحصر الخسائر” تطالب فيها بتعويضات عن 22 مشروعاً تقول إن مصر عطلتها. هذه ليست مجرد خطوة قانونية. هذه حرب اقتصادية باردة. والقاهرة تعرف ذلك.

 

رابعاً: إثيوبيا تنزف

 

لكن الأزمة الحقيقية ليست بين مصر وإثيوبيا. الأزمة الحقيقية داخل إثيوبيا نفسها.

 

في سبتمبر الماضي تشكّل تحالف مسلح يضم سبع جماعات معارضة. الهدف: إسقاط آبي أحمد. المشكلة؟ هذا “التحالف” هو أقرب إلى “تحالف أضداد”. جبهة تيغراي وفانو قاتلوا بعضهم البعض قبل عامين. جيش تحرير أورومو أعلن أنه ليس جزءاً من العمليات المنسقة بل يريد إطاحة الحكومة بطريقته. جماعتان — أوغادين وغوموز — نفتا انتماءهما للتحالف من الأصل.

 

هذا ليس تحالفاً. هذا زواج مصلحة مؤقت. لكنه زواج خطير.

 

على الأرض تقدمت جبهة تيغراي. سيطرت على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير. تقدمت نحو أفديرا في عفر لقطع ممر جيبوتي — شريان التجارة الإثيوبية.

قوات فانو سيطرت على معسكر للجيش في ولديا وأسرت جنوداً وتفرض نفوذاً على أكثر من 80% من المناطق الريفية في أمهرة. الحكومة ردت بقصف طائرات مسيّرة على مقر قناة “تيغراي تي في” وأغلقت الاتصالات.

هل تتذكرون الحصار السابق على تيغراي؟

إنه يعود.

 

والنتيجة؟ 150 ألف نازح في عفر. 500 إلى 700 ألف نازح في تيغراي. نقص حاد في الغذاء والدواء. الأمم المتحدة تحذر من أن نقص التمويل يدفع الشركاء لتقليص أنشطتهم. هذا ليس تحذيراً. هذه ناقوس خطر.

 

خامساً: إلى أين؟

 

سؤال بسيط.

جواب معقد.

 

المسار السياسي مسدود. لا أحد يريد التفاوض.

لا أحد يثق بالآخر.

 

المسار الأمني ينزلق نحو الأسوأ. حرب بالوكالة. حرب استنزاف. حرب لا يريدها أحد لكن لا أحد يستطيع إيقافها.

 

المسار الاقتصادي؟ خسائر متبادلة. مصر تخسر من قناة السويس. إثيوبيا تخسر من استنزاف الحرب. لا أحد يربح.

 

وأما إثيوبيا الداخلية؟

إنها على حافة الهاوية.

التحالف الجديد رغم هشاشته فتح جبهات متزامنة أنهكت الجيش.

وإذا سقط آبي أحمد فمن سيحكم؟

التحالف الهش؟

الجيش؟

لا أحد يعرف. وهذا هو الخطر الأكبر.

 

مصر تراقب. ترى في هذه الفوضى فرصة للضغط. لكنها تعرف أيضاً أن الفوضى في إثيوبيا تعني فوضى في البحر الأحمر. فوضى في القرن الأفريقي. فوضى على حدودها الجنوبية.

 

أراهن أن أحداً لن يضرب السد. ليس لأن أحداً لا يريد بل لأن الثمن مرتفع جداً.

لكنني أراهن أيضاً أن الوضع سيزداد سوءاً حرب بالوكالة حصار نزوح مجاعة.

كل الأشياء التي رأيناها في تيغراي ستعود وربما أسوأ.

 

النيل الذي وحد مصر والسودان وإثيوبيا منذ آلاف السنين صار اليوم خط نار. ومن يعبره يحترق.

 

هذه ليست نبوءة. هذه شهادة على زمن أراه يتفكك أمام عيني. ومن يعش يرى.

 

عكـس الاتّجـاه نيـوز

الحقيقـة الـكاملـة

معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

المرصد الدولي لحرية الصحافة – 4
المرصد الدولي لحرية الصحافة -3
المرصد الدولي لحرية الصحافة 2
dotcom4host
صفحة 1 من 2
تواصل معنا
تواصل معنا