
ضوء يقتل، وشوشة تُعمي»: التقنيات الجديدة التي تواجه بها الجيوش أسراب المسيّرات
1
1
1
1
1
منظومات تحييد التهديدات: سباق التقنيات بين الليزر والتشويش لمواجهة طوفان المسيّرات
لم تعد الطائرة المسيّرة مجرد أداة استطلاع، بل تحولت إلى تهديد استراتيجي منخفض التكلفة قادر على استنزاف منظومات دفاع جوي بمليارات الدولارات. وبينما تتسارع دول العالم لتطوير “منظومات تحييد التهديدات”، يبرز مساران رئيسيان: الأسلحة الليزرية الموجهة بالطاقة، وتقنيات التشويش والحرب الإلكترونية. وفيما يلي تحليل مدقق لأبرز التطورات في هذا المجال.
أولاً: الأسلحة الليزرية.. “رصاصة” بتكلفة سنتات
تعتمد الأسلحة الليزرية على تسليط حزم ضوئية عالية الكثافة لإعطاب أجهزة استشعار المسيّرة أو صهر هياكلها ومكوناتها الداخلية خلال ثوانٍ. وتكمن ميزتها الاقتصادية في أن كلفة “الإطلاق” الواحد لا تتجاوز بضع دولارات، مقابل ملايين الدولارات لصواريخ الاعتراض التقليدية.
أبرز الأنظمة الليزرية العاملة أو قيد الاختبار:
· “تشونغوانغ” الكوري (Cheongwang): أول نظام ليزري مضاد للمسيّرات يُنتشر عملياً في العالم، طورته “هانوا سيستمز”. حقق نسبة نجاح 100% في تحييد أربع مسيّرات وطائرتين غير مأهولتين في سبتمبر 2026، وتكلفة الإطلاق الواحد نحو 1.50 دولار فقط.
· “الليزر الصغير” من بوينج (Compact Laser Weapon): اختاره البنتاغون ضمن برنامج تجريبي للطاقة الموجهة تديره فرقة العمل المشتركة JIATF-401، إلى جانب أنظمة أخرى مثل “فايرفلاي” من كورد و”باليتايزد” من إيروفايرونمنت.
· “لوكست X3” (Locust X3): أول ليزر قتالي يطلبه الجيش الأمريكي إنتاجاً متسلسلاً، بكلفة تصل إلى 5 دولارات لكل مسيّرة يتم إسقاطها، ضمن صفقة بقيمة 464.8 مليون دولار.
· “دراغون فاير” البريطاني (DragonFire): كلفة الطلقة الواحدة نحو 10 جنيهات إسترلينية، مقابل أكثر من مليون جنيه لصاروخ “سي فايبر” الاعتراضي.
· “ليزر TOLGA” التركي: ليزر ليفي بقدرة 20 كيلوواطدمّر مسيّرة على مسافة 760 متراً في اختبار حي، مع قدرة على إبهار مستشعرات المسيّرة حتى 4500 متر.
· منظومة “ليجيان” الصينية المحمولة (Lijian): ليزر محمول يزن 25-30 كغ، قادر على إسقاط مسيّرات على مدى يصل إلى 1200 متر.
أما على صعيد الاعتراضات العملية، فقد أعلنت إسرائيل أن منظومة “Iron Beam” الليزرية أصبحت جاهزة عملياً في ديسمبر 2025، بعدما أسقطت نحو 40 مسيّرة لحزب الله في خريف 2024. كما أُرسلت نسخة منها إلى الإمارات لمواجهة المسيّرات الإيرانية.
ثانياً: الميكروويف عالي القدرة.. سلاح “الأسراب”
بينما يستهدف الليزر هدفاً واحداً في كل مرة، تقدم أنظمة الميكروويف عالي القدرة (HPM) حلاً أكثر فاعلية ضد “أسراب المسيّرات”. فهي تطلق نبضات كهرومغناطيسية عالية الطاقة تعطب الإلكترونيات الداخلية للطائرات على مساحة واسعة وفي وقت واحد.
من أبرز هذه الأنظمة “ليونيداس” (Leonidas) من شركة إبيروس، المختار ضمن برنامج البنتاغون التجريبي، والذي أثبت قدرته على تعطيل مسيّرة موجهة بالألياف الضوئية في يناير 2026. كما كشفت BAE Systems عن نظام HPM جديد يعتمد بنسبة 99% على مكونات تجارية جاهزة، ما يسهل الإنتاج الضخم ويجعله قادراً على تحييد أسراب المسيّرات طالما توفرت الطاقة.
ثالثاً: الحرب الإلكترونية.. “القتل الناعم” بلا طلقة
على الجانب الآخر، تتطور تقنيات التشويش (Soft Kill) بوتيرة متسارعة، مستهدفة روابط القيادة والتحكم (C2) بين المسيّرة ومشغلها، أو أنظمة الملاحة satelliting (GNSS) الخاصة بها.
· “ياستريب 1.0” الروسي (Yastreb 1.0): نظام حرب إلكترونية مصمم خصيصاً للتشويش على المسيّرات التي تغير تردداتها بسرعة (Frequency-Hopping). يعمل في صمت راديوي ويرصد التهديدات قبل التنشيط، بمدى يصل إلى عشرات الكيلومترات.
· “STORM 2” من تاليس (Thales): عقدة حرب إلكترونية يزن أقل من 2 كغ، يغطي نطاق ترددات واسعاً من 20 ميغاهرتز إلى 6 غيغاهرتز، ويوفر تشويشاً تفاعلياً للجنود المشاة.
· “Wraith Shield” من L3Harris: تحديث برمجي يحول أجهزة الراديو المحمولة “فالكون 4” إلى تشويشات مضادة للمسيّرات، بكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، مع قدرة على تنسيق التشويش من 40 جهاز راديو في وقت واحد.
· المنظومات الأوكرانية المضادة: طورت شركة “ريبل غروب” نظامي “OPERA-OX” المحمولين على المركبات، بقدرة خرج إجمالية تصل إلى 1000 واط ومدى تشويش يبلغ 70 متراً على الأقل، مع تصميم نمطي يضم ما يصل إلى 14 وحدة تشويش.
الخلاصة: نحو دفاع متعدد الطبقات
لم يعد الاعتماد على وسيلة واحدة كافياً. الاتجاه السائد عالمياً هو بناء دفاع متعدد الطبقات يجمع بين الليزر (للأهداف الفردية بتكلفة زهيدة)، والميكروويف (لتحييد الأسراب)، والتشويش الإلكتروني (لقطع الصلة بين المسيّرة ومشغلها)، إلى جانب الصواريخ والمدافع التقليدية كخيار أخير.
يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على الإدامة: فالليزر يحتاج إلى طاقة، والميكروويف يحتاج إلى تبريد، والتشويش يحتاج إلى طيف ترددي متاح. ومن هنا، يبدو أن “منظومة تحييد التهديدات” المثالية هي التي تدمج هذه القدرات في شبكة قيادة وسيطرة واحدة، قادرة على تخصيص “الرد الأنسب” لكل تهديد، وبكلفة تجعل الدفاع ممكناً اقتصادياً.




