آخر الأخبار
شاهد على الظل – عكس الاتجاه

شاهد على الظل

اليوم

0
الأسبوع

1
الشهر

1
السنة

1
الإجمالي

1

شاهد على الظل

 

بقلم: أ. محمد ضياء الدين بديوي — رئيس تحرير “عكس الاتجاه نيوز” وباحث في الشؤون الدولية — خاص بـ “عكس الاتجاه نيوز”

 

 

اعترافات محلّل أمضى خمسة وأربعين عاماً يقرأ النصّ الذي سُمح له به، ثم اكتشف أن الحقيقة لا يملكها أحد… وأن الحكمة الأخيرة هي الدهشة

 

 

حين يكتشف المحلّل أنه لم يكن يقرأ التاريخ بل نصّه المعدّ سلفاً

ففي هذة الحظةٍ من العمر بعد أن تهدأ معارك المهنة وتسقط الألقاب عن الأكتاف كما تسقط أوراق الخريف عن الأغصان العتيقة يقف الإنسان أمام نفسه عارياً من كل شيء إلا من الحقيقة.

 

وأنا بعد خمسة وأربعين عاماً ونيف قضيتها بين السياسة والإعلام والفكر والاجتماع والرمزية وجدت نفسي ذات مساء أقف أمام المرآة لا لأتأمل ملامحي التي غزاها الشيب، ولا عينيّ اللتين استنزفتهما الليالي الطويلة بل لأتأمل معنى الرحلة كلها.

 

رحلة عمرٍ كامل قضيتُه مؤمناً بأنني ألاحق الحقيقة.

 

لكن الحقيقة التي وقفت أمامي يومها كانت صادمة حد القسوة.

 

لقد اكتشفت أن معظمنا لا يفسر العالم بقدر ما يفسر الرواية التي تصل إليه عن العالم.

 

ولم يكن ذلك اكتشافاً إعلامياً فقط بل اكتشافاً فلسفياً يمس جوهر المعرفة الإنسانية ذاتها.

 

فالإنسان منذ فجر التاريخ كان يتوهم أنه يرى الواقع مباشرة بينما هو في الحقيقة لا يرى إلا الصور التي يصنعها العقل عن الواقع.

 

والمحلل السياسي ليس استثناء من هذه القاعدة.

 

إنه يتعامل مع أخبار وتقارير وتسريبات وتصريحات وصور ورموز ثم يبني فوقها تفسيراته واستنتاجاته.

 

لكن السؤال الذي لم أسأله لنفسي إلا متأخراً هو:

 

من الذي أنتج المادة الخام التي أبني عليها تحليلي؟

 

من الذي اختار الخبر؟

 

ومن الذي سمح له بالظهور؟

 

ومن الذي حجب الأخبار الأخرى؟

 

ومن الذي قرر أن تصبح هذه القضية عنواناً رئيسياً؟

بينما تُدفن عشرات القضايا تحت ركام الصمت؟

 

هناك أدركت أن التحليل السياسي في كثير من الأحيان لا يبدأ من الحقيقة بل يبدأ من منتج سياسي وإعلامي جاهز يسمى “الحدث”.

 

والحدث نفسه ليس بريئاً دائماً.

 

فالسلطة لا تصنع القرارات فقط.

 

إنها تصنع الوقائع.

 

وتصنع أولويات الاهتمام.

 

وتصنع اللغة التي نصف بها الأشياء.

 

وتصنع أحياناً حتى طريقة معارضتها.

 

لقد أمضينا أعمارنا نناقش ما يجري فوق المسرح بينما المسرح نفسه كان قد صُمم سلفاً.

 

وكنا نختلف حول أداء الممثلين بينما كاتب النص الحقيقي ظل مختبئاً خلف الستار.

 

ومن هنا تبدأ المعضلة الفلسفية الكبرى.

 

ليست مشكلة الإعلام أنه يكذب.

 

فهذه مسألة قديمة وبسيطة.

 

بل إن المشكلة الأعمق هي أنه قد يقول الحقيقة نفسها لكنه يقول جزءاً منها فقط.

 

والنصف الصادق من الحقيقة قد يكون أحياناً أكثر تضليلاً من الكذبة الكاملة.

 

فالكذب يمكن كشفه.

 

أما الحقيقة الناقصة فتملك قدرة شيطانية على الإقناع.

 

ولهذا لا تُدار المجتمعات الحديثة بالقوة وحدها.

 

بل تُدار بالمعنى.

 

والسيطرة الحقيقية ليست السيطرة على الأرض.

 

بل السيطرة على التفسير.

 

فمن يملك تفسير الحدث يملك جزءاً كبيراً من السلطة عليه.

 

ومن يملك صناعة المعنى يملك القدرة على توجيه العقول دون الحاجة إلى قهر الأجساد.

 

لهذا أصبحت الإمبراطوريات الحديثة أقل اهتماماً باحتلال الجغرافيا وأكثر اهتماماً باحتلال السرديات.

 

فالسيطرة على الرواية أهم من السيطرة على الحدود.

 

والهيمنة على الإدراك أهم من الهيمنة على الموارد.

 

والمعركة الكبرى في عصرنا لم تعد معركة جيوش فقط.

 

إنها معركة وعي.

 

معركة تعريف الأشياء.

 

من هو البطل؟

 

ومن هو المجرم؟

 

من هو الثائر؟

 

ومن هو الإرهابي؟

 

من هو الضحية؟

 

ومن هو الجلاد؟

 

إنها معركة على اللغة قبل أن تكون معركة على الواقع.

 

وحين وصلت إلى هذه النقطة من التأمل بدأت أرى الإعلام بصورة مختلفة تماماً.

 

فرأيت أن أغلبنا كنا نظن أنفسنا صناعاً للوعي بينما كنا في كثير من الأحيان مجرد متعاملين مع الوعي المصنوع مسبقاً.

 

كنا نشرح اللوحة دون أن نعرف الرسام.

 

ونفكك الخطاب دون أن نرى المؤسسة التي أنتجته.

 

ونحلل الأمواج فيما كانت التيارات العميقة تتحرك بعيداً عن أنظارنا.

 

بل إنني وصلت إلى قناعة موجعة مفادها أن النخبة الفكرية نفسها ليست دائماً في مركز القوة كما تتخيل.

 

إنها كثيراً ما تكون جزءاً من منظومة القوة دون أن تدري.

 

ذلك أن السلطة الحقيقية لا تحتاج إلى إسكات الجميع.

 

يكفيها أن تحدد موضوعات النقاش.

 

فحين تحدد السلطة ما الذي ينبغي الحديث عنه، تكون قد ربحت نصف المعركة حتى لو تركت الجميع يتحدثون بحرية كاملة.

 

فالحرية داخل الأسوار تبقى أسيرة الأسوار.

 

والنقاش داخل الإطار المرسوم سلفاً لا يغادر الإطار مهما بدا واسعاً.

 

وهنا تتجلى المأساة الوجودية للمثقف.

 

فهو يقضي عمره يطارد الحقيقة ثم يكتشف أن الحقيقة ليست شيئاً يُعثر عليه بسهولة بل هي أفق يبتعد كلما اقتربنا منه.

 

وكلما اتسعت معرفتنا اتسعت حدود جهلنا.

 

وكلما ظننا أننا أمسكنا بالعالم اكتشفنا أننا لم نمسك إلا بصورة عنه.

 

لهذا أشعر اليوم أن أعظم درس تعلمته بعد خمسة وأربعين عاماً ليس في السياسة ولا في الإعلام ولا في الفكر.

 

بل في التواضع أمام المجهول.

 

لقد كنا نعتقد أننا نقرأ التاريخ.

 

ثم اكتشفنا أننا كثيراً ما كنا نقرأ النص الذي سمح لنا التاريخ الرسمي بقراءته.

 

وكنا نظن أننا نفهم المشهد.

 

ثم اكتشفنا أننا نفهم الجزء المضاء منه فقط.

 

أما المناطق المعتمة فقد بقيت خارج الرؤية.

 

واليوم، عندما أنظر إلى مقالاتي القديمة لا أراها مجرد نصوص سياسية.

 

أراها أجزاءً من عمري.

 

أرى فيها ليالي السهر التي سُرقت من عيني.

 

وأرى فيها أعصاباً احترقت على نار الأسئلة.

 

وأرى فيها سنوات طويلة كنت أعتقد خلالها أنني أقترب من مركز الدائرة بينما كنت أكتشف كل يوم أن للدائرة مركزاً أبعد.

 

لا أشعر بالندم.

 

فالندم شعور البسطاء تجاه الأخطاء الصغيرة.

 

أما ما أشعر به فهو شيء أعمق من الندم وأشد مرارة من الخيبة.

 

إنه ذلك الحزن الفلسفي الذي يصيب الإنسان عندما يكتشف أن الحقيقة أكبر من قدرته على امتلاكها.

 

خلف الستار: في نقد مهنة قراءة السياسة

 

في أحد دروسه الأخيرة قال لي أستاذي يوماً: “لا تكن شارحاً للصورة بل اسأل من التقطها ولماذا”. لم أفهم العبارة حينها كما أفهمها اليوم.

كنت أظن أن مهمة المحلل أن يفكك الخطاب ويقرأ لغة الجسد ويفسر ترتيب الجلوس ويفحص اختيار الكلمات

. ثم اكتشفت أن كل ذلك قد يكون عملاً على هامش الحقيقة لا في قلبها.

 

فالحدث السياسي، في كثير من الأحيان، لا يُصنع ليُفهم، بل ليُرى. يُصنع للكاميرا وللعنوان، وللتغريدة وللتسريب المدروس. وحين يصل إلينا يكون قد قُصَّ بعناية، ووُضِع في إطار محسوب وحُذف منه ما لا يُراد له أن يظهر.

فنتعامل مع ما تبقى وكأنه الواقع كله.بينما هو في الحقيقة وجه الواقع الذي سُمح لنا برؤيته.

 

والمشكلة ليست في أن السلطة تصنع الحدث.

فهذا أمر معروف منذ أن عرف الإنسان السياسة.

المشكلة في أننا، نحن المحللين، كثيراً ما نمنح هذا الحدث شرعية إضافية عندما ننهمك في تفسيره. فنقول: “المصافحة تحمل دلالات” و”التصريح يعكس موقفاً” و”الغياب رسالة”. وكل ذلك قد يكون صحيحاً.

لكنه يبقى تحليلاً للظل، لا للضوء.

تحليلاً لما أرادوا لنا أن نراه لا لما حدث فعلاً.

 

وهنا تتكشف مفارقة مزدوجة:

 

المفارقة الأولى أن المحلل يعرف أو يشك، بأن ما يحلله هو جزء من مسرحية.

لكنه يستمر لأن هذا هو عمله، وشرطه المهني ومصدر مكانته.

وهو إن توقف توقف عن أن يكون محللاً وصار مجرد مواطن عادي يسأل أسئلة بلا أجر ولا منبر.

 

المفارقة الثانية أن هذا الاستمرار لا يجعل المحلل كاذباً بالضرورة لكنه قد يجعله شريكاً غير مقصود في التضليل.

لا لأنه يريد أن يضلل بل لأن تحليله للصورة يمنح الصورة شرعية ويوهم القارئ بأن ما يراه هو كل ما هناك. فيتحول المحلل من ناقد إلى مُكرّس، ومن سائل إلى شارح ومن صاحب موقف إلى صاحب مهنة.

 

وهنا يبرز سؤال أخلاقي حاد: هل يكفي أن يكون المحلل صادقاً في تحليله لما يراه؟

أم أن الصدق الحقيقي يبدأ عندما يعترف بأن ما يراه ليس كل شيء؟

 

في السياسة الدولية كما في السياسة الداخلية لا تكمن القرارات الحاسمة عادة في القمم المصوّرة ولا في البيانات المشتركة ولا في المؤتمرات الصحفية.

إنها تُتخذ في غرف مغلقة وفي اتصالات لا تُوثَّق، وفي صفقات لا يُعلن عنها إلا بعد أن تصبح أمراً واقعاً.

وما يظهر علناً ليس سوى الغلاف الإعلامي للقرار لا القرار نفسه.

 

لكن هذا لا يعني أن المصافحة بلا معنى. فالمصافحة قد تكون فعلاً تنفيذياً لا مجرد صورة. قد تُغلق ملفاً أو تفتح آخر أو تمنح غطاءً سياسياً لقرار سيُتخذ لاحقاً.

الفارق أن المحلل الذكي هو من يسأل: ما الذي أصبح ممكناً الآن.بعد هذه المصافحة ولم يكن ممكناً قبلها؟

ما هي القرارات التي كانت مستحيلة وأصبحت واردة؟ المصافحة ليست الحقيقة لكنها قد تكون مفتاحاً لفهم الحقيقة إذا قرئت في سياقها الصحيح لا إذا قُرئت بمعزل عن الكواليس.

 

إن الخروج من هذا الفخ ليس بالانسحاب من المهنة فهذا ترف لا يقدر عليه كثيرون.

ولا بالادعاء بأننا نرى كل شيء فهذا وهم. بل بتحويل المحلل من شارح للصورة إلى سائل عن الصورة:

 

· من التقط هذه الصورة؟

· ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

· ما الذي لا نراه؟

· من اختفى من الإطار؟

· وما القرار الذي يُراد لنا أن نقبله من خلال هذا المشهد؟

 

هذه الأسئلة لا تُلغي التحليل بل تُنقله من مستوى الوصف إلى مستوى الفهم.

وهي تفترض تواضعاً معرفياً: أن نعترف بأن ما نراه ليس كل ما هناك، وأن من يريدنا أن نرى هذا فقط، له غرض. وليس المطلوب أن نكشف الغرض دائماً فذلك قد يكون مستحيلاً.

لكن المطلوب ألا نُوهم القارئ بأننا كشفناه وألا نُوهم أنفسنا بأننا قلنا كل شيء.

 

في نهاية المطاف ليست مهمة المحلل أن يمنح الحدث معنى جاهزاً بل أن يمنح القارئ أدوات ليفكك الحدث بنفسه.

وليس المطلوب أن يكون المحلل صاحب الحقيقة بل أن يكون صاحب السؤال. فالحقيقة قد تكون محجوبة لكن السؤال الصحيح يبقى دائماً في المتناول. ومن يملك السؤال الصحيح يملك مفتاحاً واحداً على الأقل نحو ما يحدث فعلاً خلف الستار.

فحين أقف أمام المرآة اليوم وقد أثقل الشيب رأسي وأتعب الزمن جسدي فأشعر أن كل ما كتبته طوال نصف قرن لم يكن سوى محاولة طويلة للإجابة عن سؤال واحد.

 

سؤال ما زال حتى اللحظة بلا جواب:

 

هل كنتُ طوال هذه العقود شاهداً على الحقيقة؟

أم كنت شاهداً على الظلال التي تصنعها الحقيقة عندما تمر عبر غرف السلطة والمصالح والنفوذ؟

 

ذلك السؤال هو إرثي الحقيقي.

 

ليس آلاف المقالات.

 

ولا سنوات الشهرة.

 

ولا عشرات المنابر التي اعتليتها.

 

بل هذا السؤال المفتوح كجرحٍ قديم.

 

سؤال رجلٍ أمضى عمره كله يبحث عن الحقيقة ثم وصل في آخر الطريق ليكتشف أن أعظم حقيقة عرفها هي أنه لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة.

 

وأن الحكمة الأخيرة التي يصل إليها الإنسان ليست اليقين…

 

بل الدهشة.

فهل نقف هنا ؟

ام نفهم اننا نعلم مايردونه منا ان نعلم

وللعقل بقية !!!!

المرصد الدولي لحرية الصحافة – 4
المرصد الدولي لحرية الصحافة -3
المرصد الدولي لحرية الصحافة 2
dotcom4host
صفحة 1 من 2
تواصل معنا
تواصل معنا