
حِبْرٌ مِنْ رُمَّانِ الجَبَل: الخِنْشَارَةُ أَوَّلُ مَطْبَعَةٍ عَرَبِيَّةٍ تَكْسِرُ حَظْرَ السُّلْطَانِ وَتَصْنَعُ فَجْرَ النَّهْضَة
0
0
0
0
0
حِبْرٌ مِنْ رُمَّانِ الجَبَل: الخِنْشَارَةُ أَوَّلُ مَطْبَعَةٍ عَرَبِيَّةٍ تَكْسِرُ حَظْرَ السُّلْطَانِ وَتَصْنَعُ فَجْرَ النَّهْضَة
بقلم: دعاء فضة
تَوْطِئَة: حِينَ يُولَدُ التَّارِيخُ مِنْ رَحِمِ الصَّمْتِ
هُنَاكَ أَمَاكِنُ لَا تَكْتُبُ التَّارِيخَ بِالحِبْرِ فَحَسْب بَلْ تَنْحَتُهُ فِي جُدْرَانِهَا وَتَخْبِئُهُ فِي رَائِحَةِ خَشَبِهَا العَتِيق وَتَهْمِسُهُ فِي صَلَوَاتِ رُهْبَانِهَا عَلَى مَرِّ القُرُون.
وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَاكِنِ تَقْبَعُ بِهُدُوءٍ فِي وَادٍ لُبْنَانِيٍّ يَلْتَحِفُ الضَّبَاب حَيْثُ لَا تَسْمَعُ إِلَّا حَفِيفَ الرِّيحِ وَخَشْخَشَةَ أَوْرَاقِ الزَّيْتُون.
هُنَاكَ فِي دَيْرِ مَارِ يُوحَنَّا الصَّابِغِ بِالخِنْشَارَة وُلِدَتْ فِكْرَةٌ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَشْرُوعٍ تِقْنِيٍّ بَلْ كَانَتْ إِعْلَانَ اسْتِقْلَالٍ مَعْرِفِيٍّ بِالكَامِلِ.
فِي عَامِ 1733م وَفِي زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ السَّلْطَنَةُ العُثْمَانِيَّةُ تُطْبِقُ حَظْرَهَا عَلَى طِبَاعَةِ الحَرْفِ العَرَبِيّ وَتَعْتَبِرُ الكِتَابَ المَطْبُوعَ خَرْقاً لِلْأُسُسِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ مَعاً وَقَفَ الشَّمَّاسُ عَبْدُ الله الزَّاخِرُ أَمَامَ مَعْمُعَةِ الرَّفْضِ هَذِهِ وَقَالَ بِكِبْرِيَاءِ العَالِمِ وَصَبْرِ الصَّانِع: «سَأَصْنَعُهَا بِيَدِي».
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا وَعْداً فَارِغاً.
فقلد كَانَ الزَّاخِرُ المَوْلُودُ فِي حَلَبَ وَالمُتَشَبِّعُ بِعُلُومِ اللَّاهُوتِ وَالفِيزْيَاءِ وَالكِيمْيَاءِ وَالهَنْدَسَة يَعْلَمُ أَنَّ الحُرُوفَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ أُورُوبَّا لَا تُشْبِهُ الضَّادَ العَرَبِيَّة. رَآهَا بِعَيْنِهِ: حُرُوفٌ مُشَوَّهَةٌ مُكَسَّرَةُ الخُطُوطِ لَا رُوحَ فِيهَا وَلَا رَشَاقَة.
فَقَرَّرَ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَه: أَنْ يَصْهَرَ الحَرْفَ العَرَبِيَّ بِنَفْسِه.
مُخْتَبَرٌ فِي قَلْبِ الدَّيْر… وَعَقْلٌ يَسْبِقُ عَصْرَه
عَلَى مَدَى سَنَوَات تَحَوَّلَتْ إِحْدَى قِلَالِ الدَّيْرِ إِلَى مُخْتَبَرٍ لِلصَّهْرِ وَالسَّبْك.
كَانَ الزَّاخِرُ يَخْلِطُ الرَّصَاصَ بِالأَنْتِيمُونِ بِنِسَبٍ دَقِيقَة يُذِيبُهُمَا عَلَى نَارٍ هَادِئَة ثُمَّ يَسْكُبُ المَعْدِنَ المُنْصَهِرَ فِي قَوَالِبَ نَحَتَهَا بِنَفْسِه.
لَمْ يَكُنْ يَسْتَعْجِلُ.
بل كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الحَرْفَ الَّذِي سَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ القَوَالِبِ سَيَحْمِلُ عَلَى كَاهِلِهِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ مِنَ المَعْرِفَة.
وَهَكَذَا وُلِدَ «الخَطُّ اللِّبَّادِيّ» ذَلِكَ الخَطُّ الَّذِي حَاكَى فِي حَرَكَاتِهِ انْسِيَابَ النَّسْخِ وَرَشَاقَةَ الثُّلْث وَلَكِنَّهُ كَانَ أَخَفَّ وَأَكْثَرَ مُرُونَة مُلَائِماً لِطَبِيعَةِ القَوَالِبِ المَعْدِنِيَّةِ دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ تَنَازُلًا وَاحِداً عَنْ جَمَالِيَّةِ الحَرْفِ العَرَبِيّ.
لَكِنَّ عَبْقَرِيَّةَ الزَّاخِرِ لَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ حَدِّ المَعْدِن.
فَالحِبْرُ نَفْسُهُ كَانَ تَحَدِّياً آخَر. الحِبْرُ المُسْتَوْرَدُ كَانَ بَاهِظَ الثَّمَنِ وَكَانَ كَثِيراً مَا يَبْهَتُ أَوْ يَتَحَلَّلُ مَعَ مُرُورِ الوَقْت.
فَمَا كَانَ مِنَ الشَّمَّاسِ إِلَّا أَنْ رَاحَ يُجَرِّبُ خَلْطَاتِهِ الخَاصَّة: غُبَارُ فَحْمٍ نَاعِم عَصِيرُ رُمَّانٍ حَامِض أَعْشَابٌ بَرِّيَّةٌ يَجْمَعُهَا بِنَفْسِهِ مِنْ سُفُوحِ الجَبَل.
النَّتِيجَةُ كَانَتْ حِبْراً لَامِعاً عَمِيقَ السَّوَاد عَصِيّاً عَلَى الانْحِلَال. وَحِينَ تُشَاهِدُ اليَوْمَ كِتَابَ «مِيزَانِ الزَّمَان» المَطْبُوعَ عَامَ 1734م وَتَرَى حِبْرَهُ لَا يَزَالُ وَاضِحاً بَعْدَ ثَلَاثَةِ قُرُون تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ يَصْنَعُ كِتَاباً بَلْ كَانَ يَصْنَعُ خُلُوداً.
ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ عُنْوَاناً… وَشَرَايِينُ تَتَدَفَّقُ فِي المَشْرِق
بَيْنَ عَامَي 1734م وَ1899م لَمْ تَتَوَقَّفْ مَطْبَعَةُ الخِنْشَارَة عَنْ العَطَاء.
ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ عُنْوَاناً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ جُدْرَانِهَا: كُتُبٌ فِي الفَلْسَفَة وَاللَّاهُوت وَالطِّبّ وَالتَّارِيخ وَالقَوَانِينِ الكَنَسِيَّة. وَلَمْ تَبْقَ هَذِهِ الكُتُبُ حَبِيسَةَ الدَّيْرِ وَالرُّهْبَان بَلْ شَقَّتْ طَرِيقَهَا نَحْوَ حَلَبَ وَدِمَشْقَ وَالقَاهِرَةَ وَالقُدْس.
كَانَتْ حَمِيرٌ وَبِغَالٌ تَحْمِلُ صَنَادِيقَ الوَرَقِ المَطْبُوعِ تَعْبُرُ الجِبَالَ وَالسُّهُولَ وَتَحْمِلُ مَعَهَا شَيْئاً أَخْطَرَ مِنَ الوَرَق: حَقَّ الإِنْسَانِ فِي المَعْرِفَة.
كُلُّ صَفْحَةٍ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنَ المَطْبَعَةِ كَانَتْ تَمُرُّ بِأَرْبَعِ مَرَاحِلَ دَقِيقَة: صَالَةُ النُّقُوشِ وَالتَّأْلِيف حَيْثُ يُرَاجَعُ النَّصُّ وَيُصَحَّح ثُمَّ صَالَةُ السَّبْكِ وَطَبْخِ الحِبْر، حَيْثُ تُصْهَرُ المَعَادِنُ وَتُخْلَطُ الأَحْبَار ثُمَّ صَالَةُ الكَبْسِ المِيكَانِيكِيّ حَيْثُ تَنْزِلُ المِكْبَسَةُ الخَشَبِيَّةُ الضَّخْمَةُ عَلَى الوَرَق وَأَخِيراً صَالَةُ التَّجْلِيدِ الفَنِّيّ حَيْثُ يُكْسَى الكِتَابُ بِجِلْدٍ أَوْ قِمَاشٍ مُزَخْرَفٍ يَلِيقُ بِمَقَامِ المَعْرِفَة.
وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ كُتُباً لَا تَشْبَهُ إِلَّا نَفْسَهَا.
كُتُبٌ صُنِعَتْ بِأَنَامِلَ شَرْقِيَّةٍ، وَحِبْرٍ شَرْقِيٍّ وَوَرَقٍ تَشَرَّبَ مِنْ هَوَاءِ الجَبَلِ وَضَبَابِهِ.
لِمَاذَا الخِنْشَارَةُ… وَلِمَاذَا الآن؟
السُّؤَالُ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ: لِمَاذَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَطْبَعَةٍ عَتَقَهَا الزَّمَنُ اليَوْم؟
وَالجَوَابُ لَيْسَ عَاطِفِيّاً بَلْ عِلْمِيٌّ صَرْف.
أَوَّلًا_لِأَنَّهَا المَطْبَعَةُ الأَثَرِيَّةُ الوَحِيدَةُ فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ الَّتِي لَا تَزَالُ مَحْفُوظَةً بِكَامِلِ أَقْسَامِهَا الهَنْدَسِيَّة
.مِنْ غُرْفَةِ الصَّهْرِ إِلَى آلَاتِ الكَبْسِ الخَشَبِيَّةِ الضَّخْمَة كُلُّ شَيْءٍ لَا يَزَالُ فِي مَكَانِه بَلْ وَصَالِحاً لِلعَمَلِ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَة.
وَهَذَا لَيْسَ أَمْراً عَادِيّاً. فِي أُورُوبَّا نَفْسِهَا مَطَابِعُ قَلِيلَةٌ تَمَكَّنَتْ مِنَ الصُّمُودِ بِهَذَا الشَّكْل.
ثَانِياً_ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ بِدَايَةَ النَّهْضَةِ العَرَبِيَّةِ الحَدِيثَة بِالمَعْنَى الدَّقِيق.
قَبْلَ مَطْبَعَةِ بُولَاق فِي القَاهِرَة وَقَبْلَ مَطَابِعِ بَيْرُوتَ وَدِمَشْقَ كَانَتِ الخِنْشَارَةُ تَطْبَعُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ بِحُرُوفٍ عَرَبِيَّةٍ صَنْعَتْ يَدٌ عَرَبِيَّة.
هَذِهِ الأَسْبَقِيَّةُ لَيْسَتْ مَجْداً فَارِغاً بَلْ هِيَ إِثْبَاتٌ أَنَّ العَقْلَ العَرَبِيَّ لَمْ يَكُنْ عَقِيماً فِي زَمَنِ الانْحِطَاط بَلْ كَانَ يُقَاوِمُ بِالصَّنَاعَةِ وَالإِبْدَاع.
ثَالِثاً_ وَرُبَّمَا الأَهَمّ لِأَنَّ الزَّاخِرَ نَفْسَهُ يُمَثِّلُ نَمُوذَجاً لِلْعَالِمِ الشَّامِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الحُدُودَ بَيْنَ المَعْرِفَة.
فَقَدْ كَانَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَاهُوتِيّاً وَفِيزْيَائِيّاً وَكِيمْيَائِيّاً وَصَانِعاً وَفَنَّاناً، وَمُدِيراً.
وَهَذَا النَّمُوذَجُ هُوَ مَا نَحْتَاجُهُ اليَوْمَ بِأَمَسِّ الحَاجَة: عُقُولٌ لَا تَخَافُ مِنْ تَجَاوُزِ الحُدُودِ بَيْنَ التَّخَصُّصَات.
أنها مَنَارَةٌ لَا تَنْطَفِئ
حِينَ تَقِفُ اليَوْمَ أَمَامَ مَطْبَعَةِ الخِنْشَارَة وَتَتَنَفَّسُ رَائِحَةَ الحَدِيدِ وَالخَشَبِ العَتِيق وَتَرَى الحُرُوفَ المَعْدِنِيَّةَ مُصْطَفَّةً بِهُدُوءٍ كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَمْراً تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا المَكَانَ لَيْسَ مَتْحَفاً. إِنَّهُ وَرَشَةٌ لَا تَزَالُ حَيَّة وَذَاكِرَةٌ لَا تَزَالُ تَتَنَفَّس وَدَرْسٌ لَا يَنْتَهِي.
لَقَدْ أَثْبَتَ عَبْدُ الله الزَّاخِرُ أَنَّ الحُرُوفَ حِينَ تَمْتَزِجُ بِالإِرَادَةِ تُصْبِحُ أَسْلِحَةَ تَحَرُّر. وَأَثْبَتَتِ الخِنْشَارَةُ أَنَّ الشَّرْقَ لَمْ يَنْتَظِرْ أَحَداً لِيُعَلِّمَهُ الصَّنَاعَة بَلْ صَنَعَ أَدَوَاتَ نَهْضَتِهِ بِيَدِه.
وَهَذَا الدَّرْسُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ قُرُون، لَا يَزَالُ صَالِحاً: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ تَارِيخَهُ فَلْيَصْنَعْ حِبْرَهُ بِنَفْسِه.
ثَبَتُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ العِلْمِيَّة
1. الشدياق، طنوس (1859). أخبار الأعيان في جبل لبنان. بيروت.
2. المعلوف عيسى الإسكندر (1922). تاريخ الآداب السريانية والطباعة في الشرق. مصر: مطبعة المقتطف.
3. الأب غابرييل، برناردو (1998). المطبعة الأثرية في دير مار يوحنا الصابغ – الخنشارة. منشورات الرهبانية الباسيلية الشويرية.
4. السيد، د. رضوان (1993). الطباعة العربية والنهضة الفكرية: قراءة في الأصول والمصائر. بيروت: دار الطليعة.
5. قَبَّاني، د. وحيد (2005). تاريخ الطباعة في الشرق العربي: من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر. دمشق: منشورات وزارة الثقافة.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




