
سورية بعد التحرير.. وطن يخرج من الرماد ويكتب تاريخه من جديد
2
2
2
2
2
سورية بعد التحرير.. وطن يخرج من الرماد ويكتب تاريخه من جديد
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
حين سألني أحد الإخوة العرب في لبنان: لماذا ما زلنا نشاهد بعض الاضطرابات الأمنية في سورية؟
ومن هم رجال الأمن والأمن العام الذين يتحدث عنهم السوريون اليوم؟
أجبته بكلمات خرجت من القلب قبل أن تخرج من العقل:
نعم أهل مكة أدرى بشعابها.
ثم قلت له: إن سورية اليوم ليست دولة تعيش أزمة بل وطن يعيش مخاض ولادة كبرى.
ولادة حقيقية تنتقل بها البلاد من زمن الفوضى إلى زمن الدولة ومن ظلام السنوات العجاف إلى نور الاستقرار والبناء. وما تشهده الساحة السورية من تحديات ومتغيرات ليس إلا آلام المخاض الأخيرة التي تسبق اكتمال الصورة الجديدة لسورية.
فالأمم العظيمة لا تولد من الفراغ ولا تخرج من المحن دون ندوب. وكل تحول تاريخي كبير تسبقه ارتدادات طبيعية تترك آثارها في السياسة والاقتصاد والمجتمع. ومن يتوهم أن دولة خرجت من خمسة عشر عاماً من الحروب يمكن أن تستعيد عافيتها خلال أشهر فهو لا يقرأ التاريخ ولا يفهم طبيعة تحولات الشعوب.
اليوم تقف سورية على أعتاب مرحلة مختلفة تماماً عما عرفته في العقود السابقة.
مرحلة عنوانها إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس العدالة والنزاهة وسيادة القانون. مرحلة تجاوز الثأر إلى منطق الدولة وتجاوز الفوضى إلى سلطة النظام وتجاوز الانقسام إلى مشروع وطني جامع.
سياسياً يبدو المشهد أمام العالم معقداً ومتشعباً لكن المتابع الحقيقي يدرك أن ما يجري هو عملية إعادة تشكيل كاملة لمفهوم الإدارة والحكم ومؤسسات الدولة. فالحكمة السياسية لا تُقاس بسرعة القرارات بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار والعدالة والحقوق.
وما يميز المراحل الانتقالية الناجحة أنها لا تسمح للعاطفة بأن تهزم العقل ولا للفوضى بأن تنتصر على القانون.
أما اقتصادياً فإن البلاد تواجه مهمة تاريخية تشبه إعادة بناء سفينة وسط بحر هائج.
سنوات طويلة أنهكت البنية الاقتصادية وأثقلت كاهل المواطن لكن إرادة النهوض لم تتوقف.
الأسواق تعود تدريجياً إلى الحركة والمشاريع الجديدة تفتح أبوابها والاستثمارات تبدأ باستكشاف فرصها فيما تتشكل ثقافة جديدة قائمة على العمل والإنتاج بدلاً من ثقافة الانتظار واليأس.
لكن التحول الأعمق من كل ذلك يحدث داخل الإنسان السوري نفسه.
فالمجتمعات لا تتغير بالقرارات وحدها بل تتغير حين تتبدل القناعات وتُهزم ثقافة الخوف ويولد الإحساس بالمسؤولية والانتماء.
واليوم بدأت تظهر ملامح مجتمع جديد أكثر وعياً بقيمة الدولة وأهمية القانون وخطورة الفوضى التي دفعت البلاد أثماناً باهظة بسببها.
وفي قلب هذه المرحلة الحساسة تقف مؤسسات الأمن والشرطة والأمن العام والضابطة العدلية والتحقيق الجنائي أمام مسؤولية تاريخية هائلة.
فقد ورث هؤلاء تركة ثقيلة تراكمت عبر سنوات طويلة من الأزمات والفوضى والانهيارات الاجتماعية والاقتصادية.
وهم مطالبون يومياً بمعالجة ملفات معقدة وتشابكات لا تزال آثارها حاضرة في مختلف المناطق.
ورغم ضخامة هذه المسؤولية فإن نجاح أي دولة في عبور المرحلة الانتقالية مرهون بوجود مؤسسات قادرة على فرض القانون وحماية السلم الأهلي ومنع الفوضى وحفظ حقوق المواطنين.
فالأمن ليس مجرد حواجز ودوريات بل هو شعور المواطن بالطمأنينة حين يخرج إلى عمله ويعود إلى منزله آمناً على نفسه وأسرته ومستقبله.
والعدالة ليست شعاراً سياسياً يرفع فوق المنابر بل ممارسة يومية يشعر بها الناس في المحاكم وأقسام الشرطة ومكاتب التحقيق والمؤسسات العامة.
إن بناء دولة القانون يحتاج إلى رجال يؤمنون أن السلطة تكليف لا تشريف وأن حماية المواطن واجب مقدس وأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف بل بالثقة والاحترام والإنصاف.
ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن رجال الأمن والشرطة والأمن العام والمحققين الجنائيين يتحملون أعباء استثنائية في هذه المرحلة الدقيقة ويواجهون ملفات تراكمت على مدى سنوات طويلة.
إنها مهمة شاقة تتطلب الصبر والحكمة والانضباط وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.
إن سورية اليوم ليست مدينة فاضلة خالية من الأخطاء وليست أيضاً الصورة السوداء التي يحاول خصومها رسمها.
إنها دولة تنهض من تحت الركام وشعب يستعيد ثقته بنفسه ومؤسسات تعيد بناء شرعيتها من خلال خدمة الناس وحماية حقوقهم وترسيخ سيادة القانون.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأمم لا تُقاس بحجم ما عانته بل بقدرتها على النهوض بعد المعاناة. وسورية التي دفعت من دماء أبنائها وأحلامهم ومستقبلهم ثمناً باهظاً عبر سنوات طويلة تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتأسيس مرحلة جديدة عنوانها العدالة والنزاهة والحكمة والاستقرار، والتنمية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة المفصلية هو أن الوطن الذي نجا من العاصفة الكبرى قادر بإذن الله على أن يبني مستقبله.
وأن الشعب الذي صمد في وجه المحن قادر على تحويل الألم إلى قوة والجراح إلى دروس والرماد إلى نهضة جديدة تليق بتاريخ سورية ومكانتها وحضارتها.
*تحية لسورية وهي تكتب فصلاً جديداً من تاريخها وتحية لكل يد مخلصة تبني وتحمي وتزرع الأمل في أرض أنهكتها المحن لكنها لم تنكسر يوماً.*
وتحية حب واجلال واكبار لكل رجل امن ومحقق شريف في سوريا وما اكثرهم
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




