آخر الأخبار
مصر الأولى عالميًا في الطلاق؟ شائعة تتصدّر… وأزمة تستحق وقفة – عكس الاتجاه

مصر الأولى عالميًا في الطلاق؟ شائعة تتصدّر… وأزمة تستحق وقفة

اليوم

0
الأسبوع

2
الشهر

2
السنة

2
الإجمالي

2

مصر الأولى عالميًا في الطلاق؟ شائعة تتصدّر… وأزمة تستحق وقفة

 

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

 

هل مصر الأولى عالميًا في الطلاق ؟؟

حيث يتحوّل الرقم إلى فزاعة!!

 

في أحد المقاهي الشعبية وبينما كان التلفاز يبثّ نشرة الأخبار سمعت رجلًا في الخمسينيات يقول لجاره بثقة الواثق: «مصر بقت الأولى عالميًا في الطلاق يا عم».

لم يسأله جاره عن المصدر ولم يتوقف أحدهما عند الرقم بل مضيا في حديثهما وكأن الأمر مسلّمة لا تحتاج برهانًا.

وهكذا تعيش الشائعات بيننا: لا تولد من فراغ لكنها تنمو في الغياب.

 

أنا لا أكتب هنا للدفاع عن مصر ولا لتجميل صورة الواقع الاجتماعي بل لأقول كلمة حقّ في زمنٍ صار فيه الرقم سيفًا يُشهره المتحمّسون بلا رحمة.

فالحقيقة كما تكشفها البيانات الرسمية والمؤشرات الديموغرافية الدولية أن مصر ليست الأولى عالميًا في الطلاق وأن هذه المقولة ليست سوى خطأ إحصائي شائع أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تدويره حتى صدّقه الناس.

 

عن أي طلاق نتحدث؟

 

يبدو السؤال ساذجًا لكنه جوهر المشكلة.

فحين نقول «نسبة الطلاق»

نحن أمام أكثر من مؤشر: هناك معدل الطلاق الخام أي عدد حالات الطلاق لكل ألف من السكان.

وهناك نسبة الطلاق إلى عقود الزواج أي مقارنة عدد حالات الانفصال بعدد عقود الزواج في العام نفسه.

وهناك احتمال انتهاء الزواج بالطلاق خلال سنوات معينة

ثلاثة مؤشرات ثلاثة ترتيبات مختلفة وثلاث نتائج لا تتفق.!

ومن يخلط بينها عن جهل أو عن قصد ينتج أرقامًا مضللة ثم يبني عليها أحكامًا على مجتمعات بأكملها.

 

من يتصدّر إذن؟

 

لو نظرنا إلى المؤشرات الدولية المتخصصة سنجد أن الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية هي التي تتصدّر فعليًا.

لوكسمبورغ تلك الدولة الصغيرة في قلب أوروبا تسجّل نسبًا تقترب من 87% في بعض الأعوام. وإسبانيا تصل إلى نحو 65%.

أما فرنسا وروسيا وكندا والولايات المتحدة فتتراوح نسبها غالبًا بين 45% و55% من إجمالي عقود الزواج.

هذه ليست أرقامًا عابرة بل ثابتة في تقارير الأمم المتحدة وهيئات الإحصاء الدولية.

ومن ثمّ فحين يُقال إن مصر تتصدّر المشهد فإننا أمام خطأ في قراءة الواقع لا في وصفه.

 

أين تقف مصر؟

 

معدل الطلاق الخام في مصر يبلغ نحو 2.6 حالة لكل ألف نسمة وهو معدل يضعها في خانة الوسط عالميًا لا في القمة.

والمركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري أصدر بيانات رسمية نافية لتصدّر البلاد هذا التصنيف.

وإذا انتقلنا إلى المقارنة العربية وجدنا الكويت بنسبة تقارب 48% والأردن وقطر في مراكز أعلى من مصر.

فلماذا إذن هذه الفزاعة؟

 

من أين جاءت الشائعة؟

 

السؤال مشروع والإجابة تكمن في تقرير اجتماعي قديم نُشر عام 2015 أو 2016 تحدّث عن سرعة نمو ظاهرة الطلاق داخل مصر وأن الأرقام ارتفعت محليًا بنحو 35% خلال عقد واحد.

ما قاله التقرير عن النمو فهمه الإعلام على أنه تصدّر ثم حوّلته وسائل التواصل إلى «مصر الأولى عالميًا».

وهكذا انتقل الخطأ من تقرير إلى خبر ومن خبر إلى شائعة ومن شائعة إلى قناعة شعبية راسخة.

 

لكن… الطلاق يبقى مشكلة

 

ليس دفاعي عن الأرقام إنكارًا للمشكلة.

فالطلاق في مصر يزداد فعلًا ويهدّد استقرار الأسر ويلقي بظلاله على الأطفال قبل الآباء. والعوامل معروفة: ١..الضغوط الاقتصادية ٢..الزواج المبكر غير المدروس

٣.. تدخل الأهل في تفاصيل الحياة الزوجية ٤..العنف الأسري

٥.. الإهمال العاطفي

٦…ضغط المقارنات على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه ليست أوهامًا بل حقائق تؤكدها الدراسات الميدانية وتقارير الجهات الرسمية.

 

كيف نواجه؟

 

المواجهة تبدأ من الاعتراف بأن الطلاق ليس عيبًا نتوارى عنه .

بل قضية تحتاج تشخيصًا دقيقًا.

وهنا يأتي دور المبادرات الرسمية مثل منصة «مودة» التي أطلقتها الدولة لتأهيل المقبلين على الزواج.

وهنا أيضًا يأتي دور الإعلام في نشر الوعي لا الفزع.

ودور المؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الزواج والطلاق.

ودور الدولة في توفير مراكز إرشاد أسري ودعم اقتصادي للشباب، وحماية قانونية للأطفال بعد الانفصال.

 

كلمة أخيرة

 

في أحد الأيام، سألني طالب جامعي:

«هل صحيح أن مصر الأولى عالميًا في الطلاق؟».

أجبتُه: لا.لكن الأهم من الرقم هو ما نفعله به. فالأرقام ليست مجردة بل تصنع صورًا ذهنية عن مجتمعاتنا وقد تدفع إلى اليأس أو إلى الإصلاح حسبما نتعامل معها.

ومن ثمّ فإن الدقة الإحصائية ليست ترفًا أكاديميًا بل شرط أول لأي حديث جاد عن الإصلاح الاجتماعي. وحين نتقن قراءة الأرقام نستطيع أن نقرأ أنفسنا على حقيقتنا لا كما يصورها لنا الخوف أو الشائعة.

وللحديث بقية

عكـس الاتّجـاه نيـوز

الحقيقـة الـكاملـة

معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

المرصد الدولي لحرية الصحافة – 4
المرصد الدولي لحرية الصحافة -3
المرصد الدولي لحرية الصحافة 2
dotcom4host
صفحة 1 من 2
تواصل معنا
تواصل معنا