
اليد الميتة
0
0
0
0
0
اليد الميتة
شبح في جبال الأورال يمسك بمفتاح نهاية العالم
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في صمت مطبق، تحت طبقات من الجرانيت والثلل تعيش آلة لا تنام. ليست طائرة دون طيار ولا قمراصناعي بل هي عقل إلكتروني بارد صُمم في زمن كان فيه العالم على حافة الهاوية. روسيا تسميه
“المحيط”
أما الغرب فيهمس له باسم آخر مرعب: “اليد الميتة”. وهو ليس مجرد نظام عسكري بل هو شهادة وفاة معلقة على جدار البشرية، مكتوبة بلغة الأصفار والواحدات.
تخيل معي هذا المشهد: في ثوانٍ معدودة بعد أن تضرب القنابل الأولى تموت القيادة.وتتلاشى الأصوات، وتنقطع الموجات.
هنا حين يصمت كل شيء تبدأ الحساسات الأرضية والفلكية المنتشرة كالأوردة في جسد روسيا بالعمل.
ترصد الزلازل تقيس الإشعاع تحلل الاهتزازات الحرارية.
وإذا تأكدت من أن الهجوم نووي وشامل وانقطعت كل خيوط الاتصال مع البشر، فلا تتردد الآلة. تطلق
“صواريخ قيادة”
صغيرة كالرسل الشاحبة تحمل شيفرات الفناء إلى الصواريخ الباليستية النائمة في صوامعها العميقة. عندها تنهض تلك الوحوش من قبورها لتقول للعالم: لقد متنا لكننا لن نموت وحدنا.
هنا تكمن الفلسفة الأكثر جنونا التي صنعها عقل بشري.
ففي الهندسة العادية نصمم أنظمة
“آمنة للفشل”
تتوقف إذا اختل شيء.
لكن “اليد الميتة” صُنعت لتكون عكس ذلك تماماً: نظام “فشل مميت”. أي أنه صُمم ليضمن الكارثة لا ليمنعها.
رسالته كالصاعقة: أي هجوم على روسيا.حتى لو محاها من الخريط سيكون آخر عمل مسجل في تاريخ البشرية.
إنه ردع يرتدي ثياب الانتحار الجماعي.
ولد هذا الوحش في رحم الحرب الباردة في ثمانينيات القرن الماضي حين كان الخوف مادة خام، والبارانويا غذاء يومياً.
ظل طي الكتمان لعقود، شبحاً يتنفس في صمت حتى عام ١٩٩٣ حين كشف عنه الروس لأول مرة. لم يكن الإعلان تفاخراً بقدر ما كان توقيعاً على وصية:
“نحن هنا، وحتى إن رحلنا، سيبقى ظلنا يلاحقكم”.
ثم جاء يوليو من عام ألفين وخمسة وعشرين حين خرج دميتري ميدفيديف من ظلال الكرملين ليُلوح بهذا الشبح في وجه الرئيس الأميركي.
ولم تكن مجرد كلمة عابرة بل كانت إشعالاً لعود ثقاب في غرفة مليئة بالبارود.
فردت واشنطن فوراً بتحريك غواصتين نوويتين صامتتين نحو المياه الدولية قبالة السواحل الروسية.
لم تكن الغواصتان مجرد قطع حديد، بل كانتا رداً موازياً:
“نحن أيضاً نملك القدرة على الرد من العمق حتى لو شُلّت قيادتنا البرية”. فعادت نسمات الحرب الباردة تهب من جديد وكأن التاريخ لم يتعلم شيئاً.
لكن الرعب الحقيقي لا يكمن في الصواريخ نفسها بل في السؤال الأخلاقي الذي يطارد كل مفكر: من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الآلة؟
لو أصاب عصفور شمسي أو فيروس إلكتروني هذه الحساسات فقادت إلى إطلاق غير مقصود فمن سنحاكم؟ الجنرال الذي فعّل النظام؟ المهندس الذي صممه قبل نصف قرن؟
أم أننا سنبحث عن كتف لتحمل الخطيئة فلا نجد سوى كومة من المعادن المحترقة؟
هنا تظهر المفارقة المروعة التي يعيشها الإنسان المعاصر: في مختبرات الطب يبحث العلماء عن جزيئات تعيد عقارب الساعة البيولوجية إلى الوراء ليضيفوا سنوات إلى أعمارنا.
وفي أعماق الجبال نبني أنظمة تختصر عمر الحضارة في دقائق. ننفق المليارات لنحافظ على خلايانا من الموت وننفق المليارات أيضاً لنؤكد أن الموت سيأتي حتماً إذا أخطأ أحد في التقدير.
“اليد الميتة” ليست مجرد صندوق أسود في جوف الأرض. هي مرآة تعكس خوفنا الأعمق من الفناء.وشوقنا الجنوني للسيطرة عليه.
وجودها وحده يردع المجانين عن الضغط على الزر الأحمر لكن وجودها أيضاً يذكرنا بأننا نحن البشر، قد وصلنا إلى نقطة يصبح فيها العقل البشري عاجزاً عن التراجع، فتأتي الآلة لتقول الكلمة الأخيرة.
والسؤال الذي يبقى عالقاً في الحلق، كغصة لا تزول: هل يمكن لشعبٍ يبني مثل هذا النظام أن يدّعي أنه يحترم الحياة؟
وهل يمكن لحضارةٍ تضع مصيرها في يد خوارزمية باردة أن تتحدث عن مستقبلٍ للأجيال القادمة؟
النظام موجود ولا أحد يعرف إن كان سيُنزع أو سيبقى.
لكن الأكيد أن ظله سيطول وأن اسمه سيظل يُهمس في الممرات المظلمة للسياسة الدولية.
وكما قال أحد المحللين القدامى:
“نحن لم نخلق هذه الآلة لتشن حربا بل خلقناها لنجعل الحرب مستحيلة”.
لكن هل يستحق السلام أن يُبنى على قاعدة “الفشل المميت”؟
هذا هو السؤال الذي سيظل يطارِد الضمير البشري.طالما بقي هذا الشبح ممسكاً بمفتاح النهاية.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً



