الأخبار العالميّة

روسيا والجنرال “الزمن”.. إن الخريف لناظره قريب..

كتب الأستاذ أحمد رفعت يوسف..

كان لافتاً ما قاله الرئيس الفلنلندي ساولي نينيستو عن الهدوء – الذي وصفه بالمدهش – الذي تميز به الرئيس الروسي فلاديميير بوتين وهو يعلق على طلب بلاده الانضمام إلى حلف الناتو، والذي يعتبر من المؤشرات الخطيرة بالنسبة لروسيا، ومع ذلك كان رد فعل الرئيس بوتين هادئاَ.
كما كان مفاجئاً انسحاب روسيا من الطريق المؤدية إلى العاصمة الأوكرانية كييف، وكذلك من خاركوف، والعودة للعمل فقط في منطقة الدونباس وبعض المناطق شرق أوكرانيا.
واليوم مسار الأحداث في أوكرانيا يبدو في ظاهر الصورة أن روسيا لم تستطع تحقيق أهدافها العسكرية بسرعة، لكن أمريكا فشلت بنفس الوقت في تطويق روسيا وإدخالها في اتون أزمات اقتصادية خانقة، كما فشلت في تجييش العالم، وفي مقدمتهم الأوربيين وتحديدا المانيا ضد روسيا رغم ما تبديه المانيا من انصياع للولايات المتحدة الأمريكية وخاصة منذ مجيء المستشار شولتز إلى السلطة، لأسباب بعضها اقتصادي، وبعضها سياسي، وبعضها متعلق بامتداد الصراع وتداعياته الكبيرة على التوازنات الإقليمية والدولية، مما جعل الروس كما هو واضح يغيرون من مخططهم حتى لا يكرروا في أوكرانيا الخطيئة الأفغانية.
يبدو واضحاً أن روسيا لجأت إلى سلاح “الجنرال الزمن” الذي يعمل لصالحها وهو أخطر الأسلحة وأكثرها فتكاً إذا ما أُحسن استخدامه.
وقبل الاسترسال في حديث الميدان والسياسة والاقتصاد، ولندرك ما هية “جنرال الزمن” نشير إلى أن “الزمن” هو الوعاء الذي تتكون منه مادة الحياة” وإدارته هي إدارة للنفس وللدول والسياسة والاقتصاد، ومن يجيد هذه الإدارة هو الذي يتحكم بكل شيء.
فأن تأتي في وقت مناسب قد تكسب كل شيء، وأن تأتي متقدناً أو متأخراً قد تخسر كل شيء.
وعلى هذا الأساس تكتسب المعارك أو تخسر، وتكتسب الصفقات أو تخسر.. تصبح مليونيراً أو فقيراً معدماً، ولذلك باستثمار الزمن يبرز القادة والعظماء والأغنياء، ويسقط آخرون، وكذلك تنهض إمبراطوريات وتهدم أخرى، وتتقدم شعوب وتتخلف أخرى.
لهذا يطلق على الزمن صفة “الجنرال” فهو طاقة جبارة وهائلة إذا استملت هذا الجنرال إلى جانبك، أو إذا أحسنت استثماره وإدارته فيصبح – مع ما يمتلك – سيفاً بيديك تضرب به من تشاء وكيفما تشاء، وعلى العكس إذا عاديت هذا “الجنرال” الفتاك فيصبح طاقة جبارة عليك قد يهلكك بضرباته، وقد ينهيك بضربة واحدة.
وبالعودة إلى الصراع في أوكرانيا و “جنرال الزمن” يبدو واضحاً أن روسيا تجنبت الوقوع في الفخ الاوكراني، وبحرب الاستنزاف التي حاولت الولايات المتحدة جرها إليها، وتداركت هذا الأمر سريعاً، كما تمكنت من التصدي لمخططات حصارها الاقتصادي، وأصبح الروبل اليوم أقوى مما كان عليه قبل العملية الروسية في أوكرانيا، وأكثر من ذلك فقد ردت هذه المخططات إلى أمريكا وحلفائها الأوروبيين حيث تتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول بشكل عير مسبوق.
روسيا المحمية اليوم بترسانة عسكرية تتفوق فيها “نوعياً” على منظومة الناتو، وبثروات نوعية من النفط والغاز والمعادن النادرة التي لا يمكن للدول الأوروبية الاستغناء عنها، وبظهير استراتيجي صيني وإيراني ومن دول كبرى عديدة ومؤثرة مثل الهند، كل ذلك يمنحها المزيد من الاطمئنان والقدرة على الصمود والتحمل، ويجعلها قادرة على استخدام سلاح “جنرال الزمن” ويبدو أنها لجأت إلى هذه السلاح الفتاك غير المنظور.
تاريخياً أظهرت روسيا أنها تجيد استخدام هذه الأسلحة، فهي استخدمته ضد المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية وانتصرت عليها، واستخدمت سابقاً سلاح “الجنرال الثلج” ضد حملة نابليون لاحتلال روسيا وانتصرت عليه، واليوم نعتقد أنها ستستخدم “الجنرال الزمن” من جديد مع أمريكا والأوروبيين في الصراع الأوكراني وتداعياته وهو التفسير الوحيد للهدوء الذي يبديه الرئيس الروسي فلاديميير بوتين والذي أدهش الرئيس الفنلندي، ويثير أعصاب زعماء المنظومة الغربية.

بقراءة موضوعية للصورة اليوم، يلاحظ بوضوح الهدوء الروسي في التعامل مع الوضع الأوكراني، ومع استفزازات أمريكا ومنظومتها “الناتوية” والتي تشمل كل شيء من العسكر، إلى السياسة، إلى الاقتصاد، إلى الثقافة والفن، ونستطيع التأكيد بأن روسيا لن تخرج عن نطاق هذا الهدوء الآن، وستقصر مهمتها العسكرية حتى بداية الخريف المقبل على شرق أوكرانيا وتحديداً في الدونباس، وستعمل على قطع كل الطرق الأوكرانية (والأطلسية) عن منافذ البحر الأسود، وهي المهمة الرئيسية لعمليتها العسكرية في أوكرانيا، وفي المقابل فإن الدول والمجتمعات الأوربية المأزومة سترى هذه المدة عصيبة وطويلة جداً عليها لأنها في أزمات حقيقية، وهي تتعمق يوماً بعد يوم، ومن الآن وحتى حلول الخريف المقبل ستكون مشاكلها الاقتصادية والسياسية قد تفاقمت وتعمقت بشكل أخطر مما هو عليه الآن، وما يثير مخاوفها أكثر أنها ستكون على أبواب فصلي الخريف والشتاء الباردين، حيث الدفء لشعوبها واقتصادياتها يأتيها بشكل رئيسي من روسيا، وفي ذاك الخريف سيكون يوم بوتين العظيم.. فإما أن ينصاعوا للشروط الروسية، أو لتتجمد شعوبهم من البرد، وتتوقف شركاتهم التي تعمل على النفط والغاز والمعادن النادرة الروسية، وحينها ستظهر قوة وبأس سلاح “الجنرال الزمن” والذي يبدو أنه متحالف بشكل وثيق مع الروس والرئيس بوتين، وحينها ستكون محطة مفصلية في رسم تموضعات وأحجام توازنات وموازين القوى والقوة الإقليمية والعالمية.. وإن الخريف لناظره قريب.

عكس الاتجاه نيوز
الحقيقة الكاملة
معاً نصنع إعلاماً جديداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى