أخبار محافظة حلب

#حكاية_حلبيّة…

#عكس الاتّجاه نيوز #أخبار محافظة حلب

بطلنا اليوم يدعى سالم

#لارسل_سلامي_لسالم

،ماحدا من العشق سالم .
كانت زفة العريس
تأخذ طريقها من اغيور عبر الشرعسوس ،في امسية خريفية جميلة ،خيم فيها الليل على حلب حاملا معه رطوبة وشاعرية منقطعة النظير .
وفي زقاق ضيق يكاد لايتجاوز المتر عرضا كان عرس النسوان ،في بيت نسيه الزمن،لأحد معارف سالم ،تجمعت النسوة وجهزوا مريم لهذه الليلة الطويلة .،اما تلبيسة الرجال فقد كانت في اغيور ،سطوح سياح نياح ،فزع به اغيورلي شهم .
كنا نمشي ونهتف بحياة العريس ،ويخزه اصدقاؤه بالإبر ،وهي عادة حلبية قديمة ،حيث يتم وخز العريس بالإبر لتحفيز الجلد ،لكي لايخجل من عروسه ،وانتقلت هذه العادة الى الصين عبر تجار حلب ،لكن الصينين طوروها وجعلوها علما ،بينما نسيناها في مدينتنا .
-عريسنا الزين يتهنى،يطلب علينا ويتمنى !
منذ اسبوع اتصل بي وعزمنى ،فالتقيت به في العزيزية ،وكنت انوي دعوته الى العشاء في مطعم الجناح

  • والله عيزمك ع عرسي يا ابوجمعة
    قال سالم .
    وسالم هذا دائما على صواب ،لم يتابع تعليمه ،بل دحشته امه عند اخواله في التمديدات الصحية ،وكان خاله قاسيا معه في العمل ،وكثيرا ماكان هذا الخال القاسي يردد ويضربه
  • فراح للي بيبكيك ولاتفرح للي بيضحكك
    حين يحس سالم ان قواه خارت من الحفر والعراك مع الحديد والفونط ،يوكل له خاله مهمة اخرى اكثر مشقة ،وهو بالكاد يستطيع الحركة من شدة التعب ،لكن خاله يصرخ فيه:
  • اشبك محلول ؟!
    فيجدد نشاطه خوفا من ان يقال عنه ( ماخرج شغل)
    تعلم احمد الصبر والجلد ،وكان خاله يعتني بوجبة الغداء في الشغل ،فيكثر من اللحم والفراريج ،ويتأكد من ان احمد اكل جيدا ،وهذه الحسنة الوحيدة التي وجدها سالم في خاله .
    الغذاء الجيد ،والحركة جعلا من سالم قوي البنية مفتول العضلات ،وزاد في ذلك شغفنا -انا وسالم -في المسبح البلدي .
    فقد كنا نواظب على الذهاب يوم الجمعة الى هذا الاخير ،واضحينا مقربين من المنقذ ابو سمرة ،فقد كان سالم يحرص ان يشتري من عند ابو سمرة الاوكسيجين والزيت ،على الرغم من ان زيوت سوق العطارين اجود من زيوت ابو سمرة ،الا ان سالم كان يحب التقرب من هذا الرجل العجوز ذو البنية الرياضية القوية والمحبوب من كل شبان حلب .
    واعتنقنا الأهلاوية على يد ابوسمرة ( رجل معروف في حلب )،وصرنا نحضر مبارايات الاتحاد كلها ،ونشد الرحال على صهوة الهوب هوب كل جمعة الى حمص ودمشق لتشجيع فريقنا المفضل وهكذا بقينا حتى أضحينا أهلاويان صالحان
    سألته :
  • ومين سعيدة الحظ ؟
  • والله قربه بعيدة ،قربة نسوان من طرف امي
    تفاجأت ،لأن سالم كان يبحث منذ عشر سنوات عن عروس ،ولم يوفق ،فتارة لاتعجبه ،وتارة اخرى لايعجبها .
    وكنت كلما سألته الى اين وصل في الخطبة والجازة ،يهز رأسه
  • كلو نصيب يا ابوجمعة ،ماعبتتيسر .
    ،كنا نتمشى في العزيزية عادة ،وكل مرة اقول له :
  • انظر الم تجد حتى الآن عروسك ؟
    كان يرد :
  • انا ماخرجي هيك بنات ،ياما تحت الملاحف متاحف !
    سالم دائما على صواب ،يعرف حدوده فلايتجاوزها ،ولايغامر الا بالسباحة والقفز والغطس
  • لاشك انها جميلة ،بعد عشر سنوات من البحث !
    صمت قليلا ،وشعرت بالحرج من سؤالي ،فنحن لانحب التحدث عن جمال نسائنا امام الاخرين ،وكان يجب الا اسأل ،لكنه قال
  • انها تشبه بطلة فيلم التيتانيك ( كيث ونسلت ).
    فمسكته من خواصره مداعبا
  • ياملعون عرفت تنقي !
    دخلنا مطعم الجناح ،فخاف سالم من الدخول .
  • ابو جمعة بلاها ،نحن ماخرجنا هيك دخلات .
  • ادخل ماحدا احسن من حدا !

كان في المطعم بعض الزبائن ،عرفت منهم نزار ،وهو احد معارفي الفاسدين ،و الذين يحرصون على ان يقال عنهم أكابر ،ويعتقد انه بجلوسه في الجناح سنقول عنه انه اكابر .
جاء الكرسون يحمل( المنيو ) ويلبس طقما اسودا شديد الاناقة ،فخاف سالم منه ،فاشفقت عليه .
طلبت لي وله ،بعض المشاوي والمتبل وسائر السلطات ،وبعد ان غادر الكرسون ،ابتلع سالم ريقه وقال :

  • هل هذا هو الكرسون؟! ،بدلته احسن من بدلة عرسي .
  • دعك من الكرسون وهات حدثني؟ كيف تمت الخطبة ،ومن هي العروس ؟
    حدثني سالم بقصته
    بطلتنا اليوم تدعى مريم
    تركت المدرسة من الصف السابع ،فللجمال قوانين صارمة في مدينتنا ،اذ ليس على الجميلات ان تتعبن اذهانهن في الرياضيات وقوانين فعل الكتلة ،بل يكفي ان تعلم الجميلة انها جميلة ،خطبها اطباء وتجار ،لكنها كانت ترفض العرسان ،وضربتها امها اكثر من مرة لأنها رفضت زينة الشباب .
    كانت مريم حالمة ،لاتكف عن التفكير في بطلها الذي سيختطفها من خدرها ،رجل يفرض نفسه عليها وكأنه القدر
    وليس رجلا تفرض عليه قوانين جمالها .
    وتذهب مريم صيفا الى البدروسية مع اهلها ،في رحلة الصيف ،اربع اوخمس عائلات يستأجرون شاليه او اكثر ،يأخذون لحمتهم ومشاويهم من حلب ،لأن اللحم في حلب اكثر زكاوة من اللحم في اللاذقية ،وذلك عائد لطبيعة الخروف الذي يفضل المناطق الجافة .
    تمتطي مريم صهوة فرشة عائمة،وبلباسها الاسود السميك تسبح ،وتجدف قرب اهلها ،وعين امها عليها ،وخاصة اذا عادت الى اليابسة ،فإنها ترافقها ،اما اذا كانت في الماء ،فلابأس ،لأن غرق مريم اهون على امها من ان يمس شرفها سوء.
    وللبحر قوانين ،مثلما للجمال قوانين ،خاضع للمد والجذر بفعل جاذبية القمر ،وكيف اذا اجتمع القمر مع البحر ،سينتجان امواج جذر تتجه الى عمق المياه ،وعكست بعد الظهر الامواج اتجاهها ،فصارت تحمل مريم الى اعالي البحر ،وبينما هي غافلة تحلم كعادتها ،وجدت نفسها بعيدا ،وبالكاد ترى الشاطئ ،وبدا لها الجبل الاقرع بعيدا جدا عنها ،فصارت تجدف وتحاول العودة ،لكن امواج الجذر كانت تأخذها بعيدا .
    احست بالذعر .
    بطلنا اليوم يدعى سالم
    لارسل سلامي لسالم ،ماحدا من العشق سالم .
    كان ابوسمرة يقول لسالم ،احذر من السباحة في البحر ،فهو ليس مثل بركة المسبح البلدي ،له اهواء ومزاج خاص ،واذا تعكر مزاج البحر ،لن ينجو اعظم السباحين ،وسيطويهم الموج فلاصريخ لهم ولاهم ينقذون .
    عصر ذلك اليوم كان سالم في البدروسية،ذهب مع اهله في السوزوكي واشتروا اللحم والجبس وتحضروا هم ايضا لرحلة الصيف .
    ،ويحب سالم ان يركب اعالي البحر ،فيسبح حتى لايرى الشاطئ ،ويستمتع برؤية قمة الجبل الاقرع من عمق البحر .
    عصر ذلك اليوم شعر سالم ان الموج ليس في صالحه ،وجاهد للعودة الى الشاطئ حتى خارت قواه ،فقد كان الجذر اقوى منه .فأحس انه كلما سبح ابتعد اكثر عن الشاطئ .
    ولما اقترب مسافة نصف كيلو متر ،شاهد مريم تجدف وتصرخ مستنجدة ،فتوجه نحوها حتى دنا من الفرشة العائمة .
  • تحب الله ساعدني ،الموج اخدني لبعيد !
    صار سالم يدفع الفرشة ويسبح ،يتقدم بها سنتمترا يتلو سنتمتر ،وبدأ الموج يعلو .
  • لاتخافي خيتو!
    كانت تلك الكلمة الوحيدة التي قالها لها ،وانبرى يسبح تارة ،ويدفع الفرشة تارة اخرى .
    خرج الناس من الماء جميعا ،فقد علت الامواج على الشاطئ .
  • اين مريم ؟
    هذا هو السؤال المحرج للست حنيفة ام مريم ،وسيكون اهون خبر عندها هو غرق مريم ،والخوف كل الخوف ان تكون مع احد ما في الاحراش تجلب العار لأهلها على مدى اجيال .
    في عرض البحر ،حيث لا أول ولا آخر كان سالم يسبح وقد خارت قواه ،وصار يرخي جسمه واعصابه كما علمه ابوسمرة .
  • اسمع ياسالم ،السباحة اعصاب وليست عضلات ،عليك ان تكون هادئ الاعصاب في الماء ،وإلا ستغرق وتسكن السلطعونات في جمجمتك .
    هكذا كان يقول ابو سمرة عندما علمه السباحة في المسبح البلدي .
    ارتعد سالم من فكرة ان تسكن السلطعونات في جمجمته ،فجدد قواه وتابع حتى شعر بتقلص رهيب في بطة رجله ،ويأتي التقلص من فقدان السكريات نتيجة المجهود الكبير ،وتراكم حمض اللبن ،فعاد وارخى جسمه في الماء وغاص مترا .
    صرخت مريم !
    عاد سالم فارتفع ومد رأسه خارج الماء
    جاء صوت خاله القاسي ورن في اذنه :
  • اشبك محلول ! ؟
    دفعه صوت خاله الى المتابعة وتجديد قواه مره ثانية ،يسبح تارة ويدفع الفرشة تارة اخرى .
    حل المساء ،ولبس العار ام مريم ،وتوزع الشبان يحملون العصي ،وسمعنا ان اخيها هارون قد ( خرطش ) مسدسه التشيكي من عيار ٧ مليمتر ليجهز عليها وعلى عشيقها في مشهد دموي تقشعر له الابدان .
    جنحت الشمس نحو المغيب ،ووصل سالم ومريم الى اليابسة .
    نادى منادي:
  • وصلت مريم
    هجم الناس عليها ،وكان سالم لايستطيع الوقوف على قدميه ،فتسطح ارضا يلتقط انفاسه :
    يا اخت هارون ماكان ابوك امرؤ سوء ،وماكانت امك بغيا ،فأشارت اليه
    ولما اشارت اليه انهالوا عليه ضربا بالرقاب حتى اذا ما اثخنوه ،شدوا عليه الوثاق .
    صمتت مريم ،ولم تجب ،ارادت ان يدخل الشك الى قلوب اهلها ويجبروه ان يتزوجها او ان تهلك دونه .
    للجمال قوانين وللبحر قوانين ،ولكن ليس للحب قوانين ،فالحب فوق القوانين ،سابق للتجارب .
    لم يخضع سالم لقوانين الجمال ،بل اتبع نواميس الرجولة مع مريم ،لذلك احبته ،فهو لم ينظر اليها البته
    جاءت ام سالم ،ووجدت ابنها مسجى على الارض كخروف معد للذبح صبيحة عيد الاضحى،واكتشفت ان ام مريم هي قريبتها من بعيد .
    لم يجب سالم بكلمة ،فالصمت اكثر من الكلام تعبيرا .
    خرجت النسوة وجلسن تحت عريشة من القصب ،ام سالم ،وام مريم ،وطبخن الطبخة كمايجب ،والنسوة الحلبيات بارعات في الطبخ ،وقررت ام سالم ان تخطب مريم .
    فكوا وثاق سالم ،عاد المسدس التشيكي الى الحقيبة ،وعلت الزغاريد .
    انتهى سالم من حكاية خطبته لمريم وخرجنا من مطعم الجناح .
    عريسنا الزين يتهنى ،يطلب علينا ويتمنى ..
    كانت الزفة تجوب حواري حلب القديمة ،فمررنا من الالمجي الى مسبح الصحة وكدنا نصل باب النصر ،وعدنا به الى الجديدة والتدريبة ،ومازال الشبان يخزون العريس بالدبابيس طيلة الطريق .
    صادفنا في التدريبة عجوزا مرحا يلبس شروال ،قاطعنا وصار يهتف :
  • عريسنا الزين يتهنى ،يشلح كلسونو ويستنى
    ضحك الجميع،اذ يحق للعجائز في وطني مالا يحق لغيرهم .
    قال احد الاولاد :
  • عمو عبيحكي كلام عيب !
    وصلنا الى عرس النسوان ،وانفض الجمع ،نظرت الى سماء حلب تلك الليلة الحالكة السواد ،فلم اجد في سمائها نجوما ،ولعل النجوم تستحي من مديني فتختبئ بعيدا عنها .
    وكانت نسمات الخريف تداعب وجهي ،فتذكرت كيف ان العروس تشبه الممثلة كيت ونسلت بطلة فيلم التيتانيك،وهناك تقاطعات كثيرة تجمعهما في القصة ،ترى هل سيرسمها اليوم سالم ،كمارسم جاك حبيبته في الفيلم ،ام انه سيقوم بحركة اخرى ؟
    لاشك انه سيحسن التصرف بعد كل هذا الوخز بالدبابيس ،فهو كما قلت لكم في البداية ،شاب يحسن التصرف .
    لارسل سلامي لسالم
    ماحدا من العشق سالم
    دلوني على حبيبي

عدنان جمعة الاحمد

#عكس_الاتجاه_نيوز

#الحقيقة_كاملة

#نعاً_نصنع_إعلاماً_جديداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى