المقالات

الأمم بين الرقيّ والانحطاط

عندما نجري مقارنةً بسيطةً بين ماضينا و حاضرنا ، ونحاول أن نجد الفروق فيما بينهما ، و ما كنّا عليه من قبل ، و ما وصلنا إليه الآن من انحطاط ، نعرف دون أدنى شكّ الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه.
ففي الجاهليّة وقبل ظهور الإسلام كان العرب على أخلاق عالية، وكانوا يصدقون الحديث، ويحفظون الجوار ، و يقرون الضيف ، ولا يفعلون ما يشينهم ، حتّى إنّ المسلمين في صدر الإسلام في إحدى الغزوات كما يُروى أسروا بنت حاتم الطائيّ، وجيء بها إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقالت له: يارسول الله أنا بنت حاتم الطائيّ، وإنّ أبي كان يكرم الضيف، ويحفظ الجوار ، فقال صلّى الله عليه وسلم: أطلقوها فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق.
وجاء القرآن ليصف خير الأنام بالخلق العظيم، يقول تعالى: (وإنّك لعلى خلقٍ عظيم)، هذا الخلق الذي كان به صلّى الله عليه وسلم جعل أكثر العرب يلتفّون حوله، ولاسيما أنّه كان معروفاً قبل البعثة بالصادق الأمين.
ووصفه القرآن وصفاً آخر يقول تعالى:( لو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك)، فجعل رقّته ولين قلبه سبباً من أسباب تهافت الناس عليه.

فالعرب كانوا أصحاب أخلاق حميدة، وجاء الإسلام ليكمل هذه الأخلاق.
وبهذه الأخلاق التي لازمها هذا الدين الحنيف استطاع العرب أن يحكموا الدنيا، فوصلوا إلى الصين شرقاً وإلى فرنسا غرباً (حدود الأندلس) حاملين معهم أخلاقاً عظيمة، وديناً أعظم، حتّى بعض البلاد لم تصلها جيوش المسلمين، ولكن وصلتها أخلاقهم، فدخلوا في هذا الدين، من أمثال أندونيسيا التي كانت لها علاقة تجارية بالتجّار المسلمين الذين كانوا ينزلون بها لترويج بضائعهم، وشراء بعض بضائعها، فكان خلق المسلمين هو الذي جعل هؤلاء يدخلون في هذا الدين.

إذاً فالأخلاق هي الميزان التي توزن به الأمم، وهي المعيار الذي تستطيع به تمييز الأمم رقيّاً وانحطاطاً.
فالأخلاق إذا حطّت بأمة رفعتها حدّ السماء، وإذا طارت من أمّة نزلت – أي الأمّة- إلى أسفل السافلين، وأصبحت في الدرك الأسفل من الحضارة.
فالأخلاق هي مقياس التقدّم والرقيّ بين الأمم.
إذاً فالأخلاق حيثما وجدت وجد التقدّم في كل أوجه الحياة ومناحيها.
وفي هذا يقول شوقي:
وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فمعيار بقاء الأمم وزوالها إنّما هو الأخلاق، لأنّ الإنسان إذا لم يكن على خلقٍ، فإنّما هو أشبه بالحيوان، وما علمنا فيما سبق أنّ أمّةً من أمم الحيوانات قد بنت حضارةً، فالحضارة والعمران والفكر إنّما هو للإنسان خاصّة كما يصرّح ابن خلدون في مقدّمته.
ويقول شوقي أيضاً:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتما وعويلا
نعم صدق شوقي في هذا التوصيف وأبدع وأجاد. فالأمّة التي تصاب في أخلاقها وجب أن يقام العزاء لها؛ لأنّها ماتت على الحقيقة، وما شابه هذا النفَس الذي يتنفّسه أفرادها إلّا التنفّس الاصطناعيّ لإنسانٍ على وشك الموت.
أيضاً نرى محمود سامي البارودي يغضب من تبدّل الأخلاق عند الناس فيقول:
وغدوت حرّان الفؤاد كأنّما
ضاقت عليّ برحبها الآفاق
نفست عليّ بنو الزمان شمائلي
فلهم بذلك خفّة ونزاق
حسبوا التحوّل في الطباع خليقة
وتحوّل الأخلاق ليس يطاق
تالله أهدأ أو تقوم قيامة
فيها الدماء على الدماء تراق
فالبارودي غضب لتحوّل الأخلاق وتبدّلها، فكيف به لو أنّه بيننا الآن؟ أظنّه كان أزهق نفسه؛ لأنّ الأخلاق ذهبت وانمحت آثارها.
وأيضاً أحمد شوقي يصف ما وصلت إليه الأمّة من الانحطاط الأخلاقيّ فيقول:
ما كان في ماضي الزمان محرّماً
للناس في هذا الزمان مباحُ
صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم
فتعذّر التمييز والإصلاح
فالفتك فنٌّ والخداع سياسةٌ
وغنى اللصوص براعة ونجاح
والعري ظرف والفساد تمدّن
والكذب لطف والرياء صلاح
فالذي كان محرّماً فيما مضى أصبح اليوم مباحاً، وتغيّرت المبادئ والمفاهيم عند الناس.
مثلاً عندما نصف شخصاً بأنّه مخادع سوف ينتفض ويتهمنا بأنّنا نصفه بما ليس فيه، ولكن عندما نصفه بأنّه ذو سياسة بارعة، سنراه متهلّل الوجه ويثني علينا؛ لأنّنا مدحناه بما فيه.
سبحان الله الفعل نفسه لكن التسمية تغيّرت ، ففي الماضي كانت تُسمّى الأشياء بمسمّياتها غير أنّه في هذا العصر غلّفوا كلّ قبيحٍ باسم جميل، والأقبح من هذا أنّ هذه الأشياء عشّشت في الأمّة.
فهذه هي الأخلاق التي ترفع حدّ السماء حيثما وجدت، وتضع أسفل سافلين إن نُزعت، وهي التي تكون الميزان التي تزان به الأمم وتبنى عليها حضارتها ورقيّها وتقدّمها.
و هي الأساس التي تبنى عليه الأمم، والأمّة التي فقدت الأساس تهدّمت ، كما يتهدّم البناء ، ويسقط عندما لا يبنى على أساس.

إعداد : أحمد كركوتلي

عكس الاتّجاه نيوز

الحقيقة كاملة

معاً نصنع إعلاماً جديداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى