المقالات

دهاليز العقل العربيّ

عكس الاتّجاه نيوز

مقالات علميّة

من الخطير جدّاً أن ترى ما يُدهش ولا تندهش، والأعظم خطراً أن ترى ما لا يُدهش فتندهش، فهنا يجب البحث عن العلّة في المعلول، فتشخيصها ووضع العلاج لها أولى خطوات تجاوزها، أمّا نكرانها وعدم الاعتراف بها سيضخّمها ويجعلها تتوالد، فتتراكم العلل، فيُظَنّ أنّ المعلول صحيح، وهنا تكمن الكارثة.

قبل أن أبدأ الموضوع أحبّ أن أسرد تفاصيل رحلةٍ قمتُ بها إلى مدينة العقول، تلك المدينة التي بُني على أرضها مبانيَ تمثّل كلّ عقول المجتمعات في العالم.
دخلتُ المدينة، تجوّلتُ في أزقّتها الضيّقة وشوارعها الواسعة، أبهرني بعضها، وصدمني بعضها الآخر.

توقّفتُ أمام مبنى بهيّ متطرّفٍ عن المدينة، بعيدٍ عن المباني الأخرى، وقد أدهشتني فخامة المبنى، ونوره الخارجيّ الذي يفوح مثاليّة، مبنى يملؤه الوقار، والتديّن، والإيمان، مطليٌّ بالأخلاق، والإحسان، وفخامة الاتّزان، ترجّلتُ ودرْتُ حوله فأغراني بكلّ تفاصيله، أتيْتُ بابه الذي كُتِب عليه (العقل العربيّ)، قرعته فإذا برجلين يفتحان الباب، أمّا الأوّل فاسمه (عا) وأمّا الثاني فاسمه(تق)، طلبْتُ الإذن بالدخول فرفضا؛ لأنّي متناقض معهما، فلا يمكنني الدخول إلّا إذا وافقتهما ففعلت لكي أدخل، ودخلت المبنى المبهر في شكله، لكنّي صُدمت بظلام دامسٍ في الداخل، لم أعد أرى شيئا لشدّة الظلام، بحثت في حقيبتي الصغيرة عن مصباح صغير اعتدْتُ حمله، أشعلتُ المصباح لأكمل جولتي في هذا المبنى.

دخلْتُ في عمق المبنى، عجْتُ يميناً في دهليزٍ قد أكله الظلام، فوجدْتُ آخره فسحةً مملوءةً برجالٍ واقفين على شرفةٍ دامسةٍ، وكلٌّ منهم كان يُخرج من ظهره أطفالاً ويلقيها من الشرفة باتّجاه الشارع، فهالني المنظر وعدْتُ أدراجي، ثمّ عجْتُ يساراً لأجد دهليزاً أشدّ ظلاماً ممّا قبله، وفيه غرفٌ كثيرة، ففتحت غرفة، فوجدْتُ حدثاً تقشعرّ له الأبدان، حيث رأيت صديقين دخلا إلى بيت فيه امرأةٌ ورجل وطفلان فاغتصبا المرأة وقتلاها وقتلا الطفلين وأضرما النار في البيت ولاذا بالفرار، واستطاع الرجل أن ينجو بعد أن ظنّا أنّهما قتلاه، فأغلقتُ الباب والرعب يهزّ كياني، ثمّ فتحتُ غرفةً أخرى فوجدْتُ امرأةً على وشك الولادة مقتولة، وقد قتلها أخواها بحجّة أنّها تزوّجتْ من رجل أقلّ منهما نسباً بموافقة أهلها جميعا إلّا هذين الأخوين فقتلاها مع طفلها الذي أوشك على الخروج للحياة، ففررْتُ هارباً، والرعشة تسيطر على جميع مفاصلي، ثمّ فتحتُ غرفةً ثالثةً فوجدتُ فتىً في السادسة عشر من عمره قد وقع في أيدي مجرمين عتاة، فقطعوا يده (بساطور) جزّار، فأصبح يتوسل إليهم أن يتركوا له اليد الأخرى فأبوا، وقطعوها بنفس طريقة الأولى، ثم سلّوا نصلاً حاداً وسملوا عينيه أو كادوا، فهالني المنظر وبشاعته وهربتُ خارجاً من هذا الدهليز المليء بالجرائم البشعة.

ساقتني قدماي إلى دهليزٍ آخر ظننْتُ أنّه متصالح مع كلّ شيء لكثرة الهدوء فيه، وقد كان فيه الكثير من الغرف أيضاً، دخلتُ غرفةً فوجدتُ ثلاثة شبّان يتناوبون على اغتصاب طفلٍ في الثالثة عشر من عمره تقريباً، وهو يصرخ ويستنجد ولا من مجيب، وكان الشبّان يُوثّقون اغتصابهم للطفل بالكاميرا، فأرعبني المشهد وأغلقت باب الغرفة مسرعاً، ثمّ اقتحمتُ غرفةً أخرى، وفي نفسي فضول الرحّالة والمستكشفين، فوجدتُ سبعة عشر شابّاً يغتصبون طفلةً في الثامنة من عمرها، وكان أحدهم يقول: إنها ابنة جيرانهم، فهول المشهد ربط لساني وأصمّ أُذُنَيْ، وأوقف الحركة في قدمَي، فتحاملت على نفسي لألوذ بالفرار بعيداً عن هذا الدهليز الغارق بالعنف والوحشية.

قادتني قدماي المتلاطمتان إلى دهليزٍ آخر، فبدأتُ أشعر بأنّني تهت في المكان، فالدهليز مليءٌ بالحجارة الخرساء الصماء التي لا تملك إلى التحجّر في تكوينها، حجارة وصخور يغصّ بها هذا السرداب الأحمق، حجر قد أكل الزمان عليه وشرب، مكدّس في كلّ زاوية، وكلّ فتر في هذا الجناح الحجريّ، ولم أعرف كيف خرجت منه، فقد تعثّرْتُ كثيراً وتورّمتْ قدماي، وسالت منهما الدماء.

لكثرة ما شاهدت من ألمٍ تهت في المكان، وأخطأت تقدير الخروج، فلم أعد أعرف كيف أخرج؛ لأفر هاربا من هذا الجحيم الذي يفيض توحّشاً، وفي طريق البحث عن باب العودة دخلت في دهليزٍ يسبح بالدماء، وفي صدره باب تنبع الدماء منه كأنّه عين ماء، توجّهتُ نحو الباب، فتحته لأجد أبشع منظرٍ رأته عيناي؛ فقد رأيت رجلاً قد جمع حشداً من الناس، وكبّل أيديهم، وسلّ سكّيناً، وبدأ بجزّ الأعناق، وكان كلّما قطع رأساً علّقه على الجدار، فأرى الغرفة مليئة بالرؤوس، والدماء تسيل منها، حتّى امتلأت الغرفة دماء ففاضت إلى الخارج، فركضْتُ راجعاً علّي أجد باب الخروج، فأنجو من هذه البربريّة التي قادني فضولي لها.

ركضْتُ والرعب يقضّ مفاصلي كلّها، متوسّلاً ربّي أن يهديني سبلَ الخروج، دخلْتُ دهليزاً ظننت أنّه يقود إلى باب الخلاص، فسمعت فيه ضجّة كبيرة، فسرت نحو الأصوات تلك، وفتحت باباً فوجدتُ نساء كثيرات، ألسنهنّ معقودة ، وأيديهنّ مقيّدة، وأرجلهنّ تسكنها السلاسل، وحولهنّ رجال يتحدّثون باسمهنّ، ويقرّرون عنهنّ، وكأنّهنّ هياكل، لا حولَ لهنّ ولا قوّة، لا يملكنَ من أمرهنّ شيئاً، ولا يملكنَ أبسط حقوقهنّ بالتعبير عن آرائهنّ كأضعف الإيمان، ولا يملكنَ حتّى فروجهنّ، فطاش الدم في رأسي، واقتحمْتُ الجمع كلّه، وحرّرت النساء ممّا هنّ فيه، لأشعل بهنّ ثورةً على تلك العبوديّة الذكوريّة الطاغية، فانتفضن جميعنّ، وحطّمْنَ كلّ سدّ في وجوههنّ، وبعد برهةٍ سقطْتُ في فخٍّ نصبه لي بعض الرجال بمساعدة بضعة نسوة، فقد حملوا عليّ بحجّة أنّي أفسدت عليهم نساءهم، وخالفت عاداتهم وتقاليدهم المقدّسة، وكبّلوني وحملوني إلى باب الخروج، وأسلموني للرجلين اللذين كانا حارسي الباب، فأخرجاني وكتبا على ثوبي: يُمنع دخوله إلى أيّ مجتمع عربيّ؛ لأنّه يحرّض على الثورة ضدّ العادات والتقاليد المقدسة، فغادرتُ تلك المدينة نصفي فرحٌ ونصفي الآخر حزين، فقد كنت فرحاً؛ لأنّي وجدْتُ باب الخروج ونجوت من تلك الهاوية العقيمة، وحزنتُ؛ لأنّي لم أستطع أن أكمل ثورتي على تلك العقول المتحجّرة، والعفنة، والمتوحّشة، لكنّي أخذت عهداً على نفسي أن أعود مرّةً أخرى متنكّراً، وأشعل ثورةً تخرج هذه المدينة من الظلمات إلى النور.

أحمد كركوتلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى