
التعبئة العالمية للشباب: حين يتحوّل دعم الشباب إلى أثر إنساني وملموس
2
2
2
2
2
هذه صياغة المقال بعد حذف علامة الوصل منه:
التعبئة العالمية للشباب: حين يتحوّل دعم الشباب إلى أثر إنساني وملموس
مقدمة: من الثقة إلى التمكين
تُعد مبادرة التعبئة العالمية للشباب من أبرز المبادرات العالمية التي انطلقت في مستهل العقد الحالي استجابةً للآثار العميقة التي خلّفتها جائحة كورونا في حياة الشباب، من اضطراب التعليم وفقدان فرص العمل إلى تدهور الصحة النفسية. وتقوم فلسفة المبادرة على مبدأ إنساني جوهري: أن الشباب ليسوا متلقّين للحلول، بل شركاء فاعلون في صناعتها. وقد تجسّد هذا المبدأ في استثمار يتجاوز خمسة عشر مليون دولار، لدعم أكثر من ألفي مشروع يقودها الشباب في أكثر من مئة وأربعين دولة، بمشاركة مئات الآلاف من الشابات والشباب، ووصول إلى مجتمعات يزيد تعدادها عن ملايين الأشخاص.
غير أن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فخلف كل منحة قصة شاب أو شابة آمنت بفكرة، وخلف كل مشروع مجتمع صغير لمس تغييرًا في يومه. وما يميز هذا النموذج أنه لا يمنح المال فحسب، بل يمنح الثقة والمساحة والمرافقة؛ إذ يقود شباب من مختلف القارات عملية مراجعة الطلبات، ويتطوعون بساعات طويلة لتقييم المشاريع، في تأكيد على أن القرار التنموي حين يُوضع في أيدي الشباب يصبح أكثر قربًا من الواقع وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجاته.
أولًا: المناخ والبيئة، وعي متقدم بترابط التحديات
كشفت بيانات المبادرة أن العمل المناخي جاء في مقدمة اهتمامات الشباب، إذ شكّل أكثر من نصف المشاريع الممولة. وهذا يعكس وعيًا متقدمًا بأن البيئة ليست قضية منفصلة عن التعليم والصحة والاقتصاد، بل هي سياق يجمعها جميعًا.
ومن أبرز المشاريع في هذا المجال مشروع يوثّق عبر فيلم قصير تجارب مجتمع أصيل على ضفاف نهر السند في باكستان، وهو من المجتمعات الأكثر عرضة لتغيّر المناخ، بهدف لفت انتباه صانعي السياسات إلى معاناته. وفي تايلاند، قاد شباب الكشافة ورشًا عملية حول الطاقة الشمسية، من الطهي الشمسي إلى الفن الشمسي، فجمعوا بين التوعية البيئية ومهارات القيادة والعمل الجماعي. وفي غانا، درّب مشروع معلمي المستقبل على التعليم المناخي والمهارات الخضراء، ثم أسسوا أندية خضراء في كلياتهم، وبعد تخرجهم نقلوا الاستدامة إلى المدارس التي يعملون فيها، فخلقوا أثرًا يمتد لسنوات. وفي مقدونيا الشمالية، مكّن مشروع بيئي الشباب، وخاصة الفتيات والنساء في المناطق الريفية، من تطوير مهارات العمل البيئي عبر التدريب والإرشاد والأنشطة الميدانية، بهدف حماية الطبيعة وتقليل النفايات وتعزيز الاستدامة، واستفاد منه آلاف الأشخاص.
ثانيًا: التعليم والمهارات، استثمار في كرامة الإنسان وقدراته
جاء التعليم في مقدمة المجالات التي شغلت الشباب، إذ شكّل ما يقارب نصف المشاريع الممولة. وهو اختيار يعكس إدراكًا بأن التعليم ليس مجرد تحصيل معرفي، بل بوابة للكرامة والفرص والمشاركة.
وفي بنغلاديش، أطلقت مجموعة شبابية مكتبة متنقلة لتوسيع الوصول إلى المواد التعليمية في المناطق التي تفاقمت فيها الفجوة التعليمية أثناء الجائحة. وفي الكاميرون، درّب مشروع يقوده الكشافة في مناطق متعددة قادة شبابًا على بناء السلام والتعلم من الأقران والعمل المناخي والابتكار الاجتماعي، ثم نقل هؤلاء القادة الأنشطة إلى مجموعاتهم المحلية عبر ورش وحملات مجتمعية. وفي فنزويلا، سعى مشروع إلى تطوير التفكير النقدي والاستراتيجي لدى الشباب عبر مبادرات لبناء القيادة الواعية والذكاء العاطفي، فاستفاد منه آلاف الشباب.
ثالثًا: الصحة والرفاهية، الاعتراف بالإنسان كاملًا
تناولت نسبة كبيرة من المشاريع الصحة والرفاهية، وهو انعكاس مباشر للاحتياجات التي فرضتها الجائحة، ولإدراك الشباب أن التنمية لا تكتمل من دون صحة نفسية واجتماعية.
وفي غواتيمالا، استُخدم الفن وسيلةً لتعزيز الصحة والرفاهية، عبر ورش ومعارض فنية وجداريات مجتمعية تناولت الهوية الثقافية والبيئة والصحة النفسية. وفي منغوليا، أطلق برنامج يمتد لعدة أشهر لتمكين أشخاص من ذوي متلازمة داون عبر تدريبهم على مهارات رياضية، مع توعية مقدمي الرعاية والمجتمع بأهمية الرياضة والدمج، فجمع بين الصحة والكرامة والانتماء.
رابعًا: المساواة والإدماج، تمكين الفتيات كأولوية إنسانية
شكّلت قضايا المساواة بين الجنسين محورًا لنسبة معتبرة من المشاريع، في تأكيد على أن تمكين الفتيات ليس قضية فرعية، بل جوهر أي تنمية مستدامة. وفي بنين، ركّز مشروع على التمكين القانوني ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي. وفي مالاوي، دعمت منحة زيادة الفرص الاقتصادية للفتيات والشابات. وفي موريتانيا، مكّن مشروع الفتيات في سن المدرسة من أن يصبحن قائدات بيئيات، عبر تعزيز التعليم البيئي والتوعية بتغيّر المناخ داخل مدارسهن.
خلاصة: من المنحة الصغيرة إلى التغيير المنهجي
تُظهر هذه المشاريع، على تنوعها الجغرافي والموضوعي، نمطًا مشتركًا: أن الاستثمار الصغير في فكرة يقودها شاب أو شابة يمكن أن يُنتج أثرًا يتجاوز بكثير حجم التمويل. ففيلم وثائقي واحد قد يحرّك سياسة بيئية، ومكتبة متنقلة قد تفتح باب تعليم لمجتمع كامل، وورشة طاقة شمسية قد تُنشئ جيلًا واعيًا بالاستدامة.
وبهذا المعنى، لا تُعد مبادرة التعبئة العالمية للشباب مجرد صندوق تمويلي، بل نموذجًا لتحويل الطاقة الشبابية إلى سياسات وممارسات، وجسرًا بين حلول الشباب المحلية والقرارات العالمية. ففي عالم يتجاوز فيه عدد الشباب مليارًا وثماني مئة مليون شخص، لم يعد الاستثمار في قيادتهم ترفًا، بل ضرورة إنسانية وتنموية لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستدامة.




