
حين تحدد الجغرافيا ثمن لقمة العيش.. لماذا تختلف أسعار السلعة الواحدة بين المحافظات السورية؟
0
4
4
4
4
حين تحدد الجغرافيا ثمن لقمة العيش.. لماذا تختلف أسعار السلعة الواحدة بين المحافظات السورية؟
بقلم: محمد ضياء الدين بديوي
رئيس تحرير عكس الاتجاه نيوز
من دمشق إلى حلب.. كيف تحوّلت السلعة الواحدة إلى عشرات الأسعار في سوريا؟
في صباح يوم اعتيادي داخل أحد أسواق دمشق، يقف ربّ أسرة أمام بائع الخضار وهو يقلب أسعار البندورة والخيار والبطاطا بعينين متعبتين.
لا يساوم كثيراً ولا يجادل طويلاً، لكنه يكرر السؤال ذاته الذي يتردد يومياً على ألسنة ملايين السوريين: لماذا يختلف سعر السلعة نفسها من مكان إلى آخر بهذا الشكل؟
السؤال يبدو بسيطاً لكنه يفتح باباً واسعاً على واحدة من أكثر الظواهر الاقتصادية التصاقاً بالحياة اليومية للسوريين. فبين دمشق وحمص وحماة وإدلب واللاذقية لا تختلف أسماء السلع ولا جودتها في كثير من الأحيان، لكن أسعارها تتبدل بصورة لافتة حتى بات المواطن يشعر وكأن كل محافظة تعيش في سوق مستقلة لها قوانينها الخاصة وتسعيرتها المختلفة.
حين ترسم الجغرافيا سعر الرغيف
في الاقتصادات المستقرة تكون الفوارق السعرية بين المدن محدودة ومفهومة، أما في سوريا فقد أصبحت الجغرافيا نفسها عاملاً رئيسياً في تحديد تكلفة المعيشة.
السلعة التي تنتج في سهل الغاب أو ريف حماة لا تصل إلى دمشق بالسعر نفسه الذي خرجت به من المزرعة. وبين نقطة الإنتاج ونقطة البيع تبدأ رحلة طويلة من التكاليف المتراكمة: نقل وشحن وتخزين وأجور عمالة وهوامش ربح متعددة.
وكل محطة من هذه المحطات تضيف رقماً جديداً إلى الفاتورة النهائية التي يدفعها المستهلك.
ومع ارتفاع أسعار المحروقات خلال السنوات الماضية تضاعفت تكاليف النقل بشكل انعكس مباشرة على مختلف السلع ولا سيما المواد الغذائية سريعة التداول.
السوق التي يأكلها الوسطاء
لا يخفي كثير من العاملين في القطاع التجاري أن المشكلة لا تتعلق بالنقل وحده، بل بعدد الوسطاء الذين تمر عبرهم البضائع قبل وصولها إلى المستهلك.
ففي كثير من الحالات ينتقل المنتج من المزارع إلى تاجر الجملة، ثم إلى موزع، ثم إلى بائع نصف جملة، قبل أن يصل إلى محل البيع النهائي. وخلال هذه الرحلة يضيف كل طرف هامش ربحه الخاص ليتحول الفارق بين سعر الإنتاج وسعر الاستهلاك إلى فجوة كبيرة يتحملها المواطن وحده.
وحين يغيب التنظيم الفعّال للسوق تتحول هذه الحلقات إلى عبء إضافي يرفع الأسعار دون أن يضيف قيمة حقيقية للمنتج.
شهادات من السوق.. حكايات تختصر المشهد
بعيداً عن لغة الأرقام، تبدو الصورة أكثر وضوحاً في قصص الناس أنفسهم.
إحدى الموظفات في دمشق وصفت لوسيلة إعلام سورية مشهداً بات مألوفاً للجميع مؤكدة أن المتسوق يستطيع ملاحظة فروقات سعرية واضحة للسلعة نفسها بين حي وآخر داخل العاصمة وأن شراء الاحتياجات الأساسية أصبح يتطلب مقارنة دائمة بين الأسواق بحثاً عن السعر الأقل.
أما ربة منزل دمشقية فاختارت أن تواجه الغلاء بطريقة مختلفة. فعندما حان موسم إعداد المكدوس فضّلت شراء احتياجاتها من الباذنجان خلال زيارة عائلية إلى حماة بعدما اكتشفت أن السعر هناك أقل من دمشق بفارق ملموس. وبحسبة بسيطة تمكنت من توفير جزء من نفقات المؤونة التي أصبحت تستنزف دخل الأسر السورية عاماً بعد عام.
وفي شهادة أخرى تحدثت سيدة من إدلب عن مفارقة مختلفة فبعض المواد الغذائية هناك تباع بأسعار أعلى من دمشق، إلا أنها غالباً ما تتمتع بجودة أفضل الأمر الذي يدفع المستهلك إلى الاختيار بين الكلفة الأقل أو الجودة الأعلى في معادلة لا تخلو من الصعوبة وسط تراجع القدرة الشرائية.
وفي دمشق أيضاً عبّر أحد المواطنين عن حالة الإرباك التي يعيشها المستهلك السوري قائلاً إن المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار فحسب بل في غياب منطق واضح يحكمها.
فبعض السلع الزراعية يمكن أن تكون أرخص في محافظات بعيدة رغم تحملها تكاليف نقل إضافية، بينما ترتفع أسعارها بشكل ملحوظ في أماكن أخرى دون تفسير مقنع.
ولا تقف الظاهرة عند حدود الغذاء. فقد وثّقت وسائل إعلام محلية شكاوى عديدة تتعلق بأسعار الألبسة حيث يكتشف المشترون أن القطعة نفسها قد تباع بفارق عشرات أو مئات الآلاف من الليرات بين منطقة وأخرى وأحياناً بين متجرين متجاورين داخل السوق ذاته.
العرض والطلب.. اللاعب الصامت
إلى جانب النقل والوساطة يلعب العرض والطلب دوراً كبيراً في تحديد الأسعار.
فالمناطق الزراعية التي تنتج كميات كبيرة من الخضار والفواكه تتمتع عادة بأسعار أقل نتيجة وفرة المنتج وقربه من المستهلك. وفي المقابل ترتفع الأسعار في المدن ذات الكثافة السكانية العالية بسبب زيادة الطلب وارتفاع النفقات التشغيلية للتجار.
كما أن المواسم الزراعية والأعياد والمناسبات الاجتماعية تشكل عوامل مؤثرة في حركة السوق حيث تزداد الحاجة إلى بعض السلع بصورة مفاجئة، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها خلال فترات زمنية قصيرة.
أزمة أعمق من مجرد أرقام
تكشف ظاهرة تفاوت الأسعار عن مشكلة أوسع من مسألة التسعير نفسها. فهي تعكس اختلالات في منظومة التوزيع وضعفاً في الرقابة وغياباً لمرجعية سعرية قادرة على ضبط السوق وحماية المستهلك.
ولهذا لم يعد المواطن السوري يشكو فقط من الغلاء بل من صعوبة معرفة السعر العادل للسلعة.
فالمنتج ذاته قد يحمل أكثر من سعر، وأكثر من تفسير وأكثر من رواية بحسب المنطقة التي يباع فيها.
المواطن.. الحلقة الأخيرة والأضعف
في نهاية سلسلة طويلة تبدأ من المزرعة أو المعمل وتنتهي عند صندوق المحاسبة، يقف المستهلك السوري وحيداً في مواجهة معادلة معقدة لا يملك أدوات تغييرها.
فهو لا يستطيع التحكم بأسعار الوقود ولا بأجور النقل، ولا بعدد الوسطاء ولا بتقلبات السوق. كل ما يستطيع فعله هو البحث عن السوق الأرخص وتقليص قائمة مشترياته ومحاولة التكيف مع واقع اقتصادي يتبدل كل يوم.
وهكذا لم يعد السؤال الذي يرافق السوري إلى السوق: «كم ثمن هذه السلعة؟»
بل أصبح سؤالاً أكثر مرارة: «في أي مدينة وفي أي حي وبأي سعر سأجدها اليوم؟».




