قتلتَ سندك واستبدلته بأوهن البيوت.. فلماذا تبكي الآن على ما صنعت؟

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
حين يصير السّند وهماً والعدو ظلاً …..
تأمّلات في جراح الخّذلان وهشاشة الاستبدال هذة حقيقة الحلم والواقع …
فيمضي الإنسان في عمره حاملاً في جعبته صوراً لأعدائه يرسمها بقلم الوهم وينفخها من غبار الخوف فيكبر فيها ما ليس كبيراً ويقوى فيها ما ليس بقوي ثم يخوض ضدها حروباً لا تنتهي ولا تكل ولا تجلب إلا وهناً على وهن!!
وما أشد الإيلام حين يكشف النقاب فيكون ذلك العدو الذي أرهق الفكر وأضنى الروح …..
هو السّند الذي كان قائماً بالنجدة عند الزلل والعتدة عند الكلل .
والأغرب أن الإنسان قد يستبدل هذا السند الصامد بأناس هم أوهن من بيت العنكبوت فلا يلبث أن يكتشف أنه باع الجدار الموثوق بشبح من دخان. .
وأن الخذلان الذي جلبه على نفسه أقسى من طعنة العدو
لأنه طعنة جاءت من حيث لا يحتسب من يديه هو لا من يد غيره.!!!
في أعماق النفس البشرية مكامن خفية تدفع صاحبها إلى صناعة الأعداء من أقرب الناس إليه وتلك ظاهرة سيكولوجية عتيقة يجسدها مفهوم الظل عند يونغ حيث يسقط الإنسان على غيره ما يكرهه في نفسه وما يخشى مواجهته فيه فيكون عدوه مرآة تشوه صورته لا حقيقة تهدد كيانه…
فإذا كان هذا المسقط عليه سندًا حقيقيًا تعقدت الصورة وتشابكت الخيوط لأن العقل الباطن يصر على تمزيق ما يحتاج إليه لإثبات أنه لا يحتاج إليه وهو تناقض يفضي إلى تدمير السند بدل تحصين الذات ويظل الوهم يتراقص في خيال الحالم حتى إذا استيقظ على حقيقة ما فعل كان قد هدم بأم عينيه ما كان يمكن أن يكون حصنه المنيع. .
فلم يبق له إلا الندم على ما فرط والتحسر على ما ضيع.!!
والسند الحقيقي في جوهره ليس جداراً من حجر ولا حائطاً من حديد إنما هو حضور لا تشغله الغيابات وثبات لا تزعزعه العواصف وصدق لا يشوبه التملّق وقوة لا تنبعث من الصخب …
بل من الصمت العميق الذي يواري خلفه طمأنينة لا تضاهيها طمأنينة إنه الذي يسبقك إلى مددك قبل أن تطلب وتستبق نجدتك قبل أن تنادي ولا يخونك حين تخونه الدنيا…
بل يكون لك حين تتخلى عنك الأيام فمثل هذا السند يندر أن يجود به الزمن وأندر منه أن يعرفه صاحبه قبل أن يفقده!! ولئن كان الإنسان يبحث طوال عمره عن من يكون له كهفًا في العواصف فما أشد حماقته حين يمضي بقدمه إلى كهفه فيهدمه بيده ثم يظل واقفًا في العراء يصارع الريح ويلوم الريح.!!
ولكن عجباً كل العجب أن الإنسان حين يمل من ثبات السند ويهفو إلى تغييره لا يرتقي إلى الأفضل بل ينحدر إلى الأسفل فيستبدل الراسخ بالمتحرك والثابت بالمتقلب والمخلص بالمصطلح فيجعل سنده الجديد أشخاصاً تزين لهم نفوسهم المصالح ويتزينون بوجوه مصقولة لا تخفي خواء الباطن فإذا دهمته النوازل وجاءت المحن تقلصوا وانزاحوا كما ينزاح السراب..
حين يحين الظمأ فما أشد خيبة من يظن أن من تخلى عنهم لحظة اشتداد هم أعمدة راسخة فإذا هم أسرع من طرف العين في الانهزام وأوهن من خيوط العنكبوت التي لا تقوى على ذبابة فكيف تقوى على أثقال الحياة.!!
في تلك اللحظة بالذات حين يضرب الخذلان بجذوره في صميم الروح يكتشف الثائر المخذول أنه لم يجرح من يد غيره.
بل من يده هو ذاتها لأنه هو من مزق سندَه وهو من استبدل الراسخ بالواهن..
وهو من اختار لمنازلة الدنيا من لا يقوى على منازلة نفسه .
وحينها يتجرع الألم مرتين ألم الندم على السند الذي كسره بيديه وألم الخيانة من البديل الذي اختاره بوعيه وهنا يكمن الفرق بين شخصية :
تبني صروحها من داخلها فتكون قوتها مستقلة عن وجود الآخرين وشخصية لا تتنفس إلا تحت ظلال غيرها فلا تعيش حين يغيبون ولا تقوم حين يسقطون فإذا فرطت بالأولى ولجأت إلى الثانية كانت خيبتها أضعاف خيبة من فقد سندًا اضطرارًا لأنها فقدت سندًا اختيارًا وهذا أشد أنواع الفقد وأقسمها على النفس لأنه فقد مقرون بالندم ومحمّل بالتبعة.!
وهنا نقف لنرى أن من كاد لمن كان سندًا له وتجرأ عليه معتمدًا على أوهن البيوت فقد خاض معركة الظلال وخسر معركة اليقين..
لأنه قتل الواقي واستبدله بالوهم ثم ظل يبحث عن حماية في غير محلها وقد كان الأجدر به أن يدرك أن القوة ليست في كسر السند مهما كانت أوهامه .
ولا في التماهي مع من لا يحتملون الأثقال بل القوة كل القوة في أن يظل السند قائمًا ولو تكسرت الدنيا كلها ..
وفي أن يعرف المرء متى يصمد ومتى يحتضن ومتى يبقي حجر الزاوية مكانه وإن بدا له أن الزلازل تغير المعالم.!!
إن زيول الخذلان أشد وقعًا على الروح من الم الموت وأكثر إيلاماً من طعنات الأعداء..
لأنه خذلان تحضره الذاكرة وتستعيده التفاصيل.
وهو يورث صاحبه عيشاً في مرارة الحلم الذي تحقق على نحو معكوس فيتذوق ما كان يحلم به..
ويجد نفسه وقد أصبح عدوه لنفسه قبل أن يكون عدوًا لأي إنسان.
وفي ذلك عبرة للعقلاء وذكرى للمتنبهين أن السند الحقيقي لا يُكسر وإن كسرته الأيام وأن البيت الواهن لا يُعتمد عليه وإن زيّنته الأحلام.!!
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




