
سورية تنتصر
1
4
4
4
4
سورية تنتصر بالبناء: حكاية اقتصاد نهض من الركام
بقلم: المهندس جاسم صالح السفيرة
في حلب حيث كانت رائحة البارود تختلط برائحة الصابون الغار منذ قرون عاد صوت المكابس ولم يعد أحد يتذكر متى توقف بالضبط ولكن الجميع يتذكر اللحظة التي عاد فيها
رجل ستيني وقف أمام ورشته وضع يده على الحديد البارد ثم شغّل الآلة
اهتزت الأرض قليلاً
ابتسم
لم يقل شيئاً
لم يكن يحتاج
هكذا تبدأ الحكايات الكبرى
ليس بالخطابات
ليس بالأرقام
بل بلحظة صمت ثم صوت آلة تعود إلى الحياة
ما لا يُكتب في التقارير
الاقتصاد السوري بعد التحرير ليس رقماً في نشرة
إنه سلسلة لحظات صغيرة لا يراها أحد
فلاح في الجزيرة يفتح صنبور الماء لأول مرة منذ سنوات على أرضه
عامل في مصنع نسيج بحلب يتقاضى راتبه الأول بيده لا بحوالة
امرأة في دمشق تفتح مشغلاً صغيراً للخياطة في غرفة كانت قبل عامين جداراً مهدماً
هذه ليست إنجازات في نشرات الأخبار
لكنها الإنجاز الحقيقي
المصانع التي عادت لم تعد كما كانت
بعضها يعمل بنصف طاقته
بعضها بنصف عماله
لكنه يعمل
وهذا الفرق بين الموت والحياة
الأرض التي رفضت أن تموت
في الحسكة حيث يمتد القمح إلى الأفق كبحر ذهبي عاد الفلاحون
ليس كلهم
لكن من عاد كفى ليُحيي الأرض
يقول أحدهم إن الأرض تعرف من يعتني بها
وإن غاب عنها سنوات تنتظره
لا تموت
مثله تماماً
زيتون الساحل لم يمت
قطن الفرات لم ينقرض
هذه ليست تفاصيل زراعية
هذه جغرافيا سياسية
حين تزرع قمحاً فأنت تقول للعالم إنك لا تنتظر رحمة أحد
حين تعتصر زيتونك فأنت تكتب بيان سيادة بلون الذهب الأخضر
الفلاح السوري لا يعرف مصطلحات السيادة الغذائية
لكنه يمارسها كل صباح قبل أن تشرق الشمس
حلب لا تشرح نفسها
حلب لا تحب الكلام
حلب تعمل
في أحيائها الصناعية عادت معامل النسيج تدريجياً
ليس بالسرعة التي يتخيلها أحد
لكنها عادت
الورش الهندسية فتحت
الصناعات الغذائية استأنفت
بعضها بتمويل ذاتي
بعضها بشراكات صغيرة
بعضها بقروض لم يكن أحد يتوقع أن تُمنح
دمشق عادت إلى حيويتها التجارية
ليس كما كانت في التسعينيات
لكن نبضها عاد
حمص استعادت موقعها على طريق الإنتاج
ليس كاملاً
لكنه موقع
هذه العودة لا تعني اكتمالاً
من يقول إن الاقتصاد السوري تعافى بالكامل إما لا يعرف أو لا يريد أن يعرف
لكن من يقول إنه لم يتحرك إما لم يزر أو لم يرَ
الحقيقة بينهما
الحقيقة دائماً بينهما
الأسواق تتكلم
في سوق الحميدية.عادت الأصوات
الباعة ينادون
المشترون يتفاوضون
البضائع السورية تجد طريقها إلى أسواق عربية
المعارض عادت إلى دمشق
الموانئ إلى العمل
المعابر إلى الفتح
لم يكن هذا سهلاً
العقوبات لم تُرفع
التمويل شحيح
التأمين معقد
النقل مكلف
لكن التجارة تجد دائماً طريقاً
هكذا تعلمنا من التاريخ
حين تُغلق الأبواب الرسمية تُفتح الأبواب الصغيرة
سورية التي كانت جسراً بين الشرق والغرب لآلاف السنين لا تنسى كيف تكون جسراً
قد يتغير شكل الجسر
لكن وظيفته لا تتغير
المال يبحث عن أرض آمنة
الحديث عن المال في سورية يحتاج دقة
العقوبات لم تُرفع
القطاع المصرفي ما زال هشاً
الثقة بالعملة لم تُستعد بعد
هذا كله صحيح
لكن هناك ما لا يُقال كثيراً
المشاريع الصغيرة والمتوسطة أصبحت متنفساً حقيقياً
ليس بتمويل مصرفي منظم
بل بالعمل غير الرسمي
بالشبكات العائلية
بالثقة الشخصية
هذا اقتصاد لا يظهر في الإحصاءات الرسمية
لكنه يُطعم بيوتاً ويُشغل شباباً ويبني شيئاً من لا شيء
وهذا البناء من لا شيء أصعب من البناء بكل شيء
بلحظة امل والخوض في كل حديث عن الاقتصاد هناك من ينسى أن الاقتصاد ليس أرقاماً
الاقتصاد ناس
عودة اللاجئين ليست رقماً في تقرير مفوضية
هي عائلة فتحت باب بيتها بعد سبع سنوات
وجدت الجدران قائمة والسقف مهدماً
لكنها فتحت الباب
وهذا ما يهم
الشباب الذين دخلوا مشاريع التكنولوجيا قلة
لكنهم بداية
والمدارس عادت
والجامعات عادت
والطلاب عادوا
هذا ليس تفصيلاً هامشياً
هذا مستقبل يُبنى
ما لم يُقل بعد
الاقتصاد السوري منذ التحرير يسير بخطى ثابتة نحو الأعلى
هذا صحيح
لكنه يسير في طريق طويل
العقوبات ما زالت قائمة
البنية التحتية ما زالت هشة
الكفاءات ما زالت تهاجر
هذه تحديات حقيقية لا يجب أن يتجاهلها أحد
لكن هناك أيضاً ما يُنسى
مصانع عادت
حقول ارتوت
أسواق ازدهرت
عائلات عادت
شباب بنى
نساء عملت
فلاحون زرعوا
عمال أنتجوا
سورية لم تُهزم
هذه ليست شعاراً
هذه حقيقة يمكن التحقق منها بزيارة واحدة إلى أي ورشة في حلب أو أي حقل في الجزيرة
سورية تنهض
تنهض ببطء
تنهض بصعوبة
لكنها تنهض
وتكتب تاريخها من جديد
ليس كما كان
أفضل مما يتوقعون
هذا هو الاقتصاد السوري
ليس معجزة وليس أسطورة
انه عمل وصبر وإرادة
وهذا أصعب من أي معجزة



