
من حقّنا أن نقول للخطأ خطأ… ومن واجبنا ألّا نكسر الوطن
5
6
6
6
6
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي –
رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
سوريا: نقدٌ بلا شتيمة… وتظاهرٌ بلا فوضى
في الحق والمسؤولية والوطن
في سوريا حيث تعلّم الناس أن الوطن أغلى من الشعارات.
وأن الجرح أعمق من أن يُختصر بعبارة، لم يعد مقبولاً أن تُدار السياسة كساحة للشتم واللعن ولا أن تُقدَّس السلطة كأنها فوق النقد.
فالحق في التظاهر حق أصيل لكنه ليس رخصة للفوضى. والحرية ليست فراغا بل نسيج من الحقوق والواجبات.
من حق كل سوري أن يرفع صوته ضد أي أمر عام يراه مجافيا للصواب.
هذا حق كفلته المواثيق الدولية وأقرته كل الشرائع وضمنته الدساتير..
نعم من حقنا أن نطالب بالحرية والكرامةوالعدالة والمحاسبة والعيش الكريم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما حدود هذا الحق؟
وهنا تكمن المسؤولية.!!
آن أي حكومة ليست كائنا فوق البشر.
هي بشر تصيب وتخطئ.
والذين يديرون شؤون الدولة ليسوا أنبياء ولا أولياء ولا أنصاف آلهة.
هم موظفون كبار في خدمة الشعب.
قد يحسنون فيصيبون وقد يسيئون فيخطئون.
ومن لا يخطئ هو الله وحده. هذه قاعدة يجب أن نربي عليها أنفسنا قبل أن نطالب بها غيرنا. إذا كان الخطأ واقعا فلا يجوز أن نسميه صوابا ولا أن نجمّله ولا أن نسكت عنه خوفاً أو مصلحة. علينا أن نقول للخطأ: أخطأت. وأن نقول للصواب: أصبت.
هذه هي المسؤولية وهذه هي المواطنة الحقيقية.
لكن أن نقول للخطأ خطأ لا يعني أن نسبّ ولا أن نشتم ولا أن نلعن ولا أن نكيل التهم جزافا… الشتيمة ليست نقداً واللعن ليس إصلاحاً وتصفية الحسابات ليست سياسة.
من يريد أن يغيّر يجب أن يقدّم حجة لا شتيمة.
ومن يريد أن يُصلح يجب أن يقترح بديلا لا أن يحرّض على الخراب.
النقد الحقيقي هو الذي يبني لا الذي يهدم.
وهو الذي يفتح أبواب الحوار، لا أبواب الفتنة.
في سوريا التظاهر حق.
من حق كل سوري أن يرفع صوته ضد أي أمر عام يراه مجافياً للصواب.
من حقه أن يطالب بحرية وكرامة وعدالة ومحاسبة فاسد وإصلاح اقتصادي وعيش كريم… هذه مطالب محقة ولا يجب أن يصادرها أحد.
لكن هذا الحق لا يجوز أن يتحول إلى رخصة لإيذاء الآخرين.
لا يحق لأي متظاهر أن يمس أمن أخيه ولا عمله ولا رزقه ولا طمأنينته.
ولا يحق له أن يحرق مؤسسات الدولة لأنها ليست ملكا للحكومة، بل هي ملك للشعب كله. المستشفى ملك للمريض والمدرسة ملك للتلميذ والجامعة ملك للطالب والطريق ملك للجميع.
من يحرقها إنما يحرق حظه وحظ أبنائه.
إن مؤسسات الدولة بكل أنواعها هي أملاك عامة.
وإذا كان في إدارتها خطأ أو فساد فالإصلاح يكون بالقانون وبالمحاسبة وبالضغط السلمي لا بالتخريب.
فالتخريب لا يُسقط خطأ بل يضيف خطأً أكبر.
والمساس بأمن الناس لا يُنتج حرية بل يُنتج فوضى.
والفوضى لا تحكمها الحكمة بل تحكمها الغرائز.
في سوريا بعد كل هذه السنوات من الألم والدمار والفقد، لم يعد أحد يحتمل لغة التخوين.
لا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى عداء شخصي.
ولا يجوز أن يصبح النقد سلاحا للكراهية.
ولا يجوز أن يتحول الشارع إلى ساحة للسب وكأن الوطن يُبنى بالشتائم.
الوطن يُبنى بالعقل وبالحوار وبالاعتراف المتبادل بالخطأ وبالمسؤولية المشتركة.
الحكومة بشر تصيب وتخطئ. والمحتجين بشر تصيب وتخطئ. والناس جميعاً بشر يصيبون ويخطئون.
فلماذا نطالب الحكومة بالاعتراف بالخطأ؟؟
ونرفض نحن الاعتراف بأخطائنا؟ لماذا نطالبها بالحكمة ونحن نرد بالشتيمة؟
لماذا نطالبها باحترام القانون ونحن نحرق المؤسسات؟
هذا تناقض لا يخدم سوريا ولا يخدم أي قضية عادلة.
جلّ من لا يخطئ هو الله وحده. لذلك لا تقديس للأفراد ولا تمجيد أعمى للسلطة ولا إنكار للخطأ. ولكن في المقابل لا هدم للوطن ولا إيذاء للناس ولا تخريب للمؤسسات.
الميزان هو: نقد بلا شتيمة ومطالبة بلا فوضى وحق بلا عدوان.
إن المطالب المحقة لا تحتاج إلى السب واللعن لتُسمع.
تحتاج إلى صوت هادئ وحجة قوية وبيانات واضحة ووسائل سلمية.
ومن يريد أن يسلط الضوء على خطأ عام فليفعل ذلك بالكلمة المسؤولة لا بالإهانة.
فالكرامة لا تُبنى بالإهانة والحرية لا تُبنى بالفوضى والوطن لا يُبنى بالكراهية.
سوريا تستحق منا أن نكون أعلى من الجرح.
تستحق أن نقول للخطأ خطأ دون أن نكسر الوطن.
تستحق أن نتظاهر ولكن بسلام. أن نطالب ولكن بحجة.
أن نختلف ولكن دون أن نتقاتل. أن ننتقد ولكن دون أن نسبّ. هكذا يُبنى الوطن.
وهكذا نقول للخطأ خطأ ونحفظ أمن أخينا وعمله ومؤسساتنا وسوريا.
وسوريا وطن الحب والسلام للجميع
